توقيت القاهرة المحلي 05:04:09 آخر تحديث
  مصر اليوم -

تجار الحروب إذ يحتفلون بالسلام

  مصر اليوم -

تجار الحروب إذ يحتفلون بالسلام

بقلم - علي محمد فخرو

العالم لا يتوقف فيه اختلاط مشاهد الدراما بمشاهد الكوميديا. فمنذ بضعة أيام تجشم قادة سبعين دولة، مع جيش من الحاشية والمساعدين والسائحين المتفرجين، عناء السفر إلى باريس ليحتفلوا بمرور مائة عام على حلول سلام لم يساهموا فى صنعه ولا فى تثبيته ولا فى حمايته.
سلام تبعته حرب عالمية ثانية، فاقت فى دمارها وعدد موتاها ما حصدته الحرب الكونية الأولى، ثم تبعت ذلك عشرات الحروب والصراعات شبه الكونية والإقليمية والمحلية التى لا يزال بعضها معنا إلى يوم احتفالنا الباريسى ذاك.
قمة عبثية ذلك الاحتفال هى فى وجود عدد من الحاضرين المنافقين ممن يساهمون يوميا فى تأجيج الحروب والصراعات عبر العالم كله، وعلى الأخص عبر وطننا العربى المستهدف المنكوب، وفى تصنيع وبيع السلاح لكل من يدفع الثمن، دون ضوابط قيمية إنسانية وأخلاقية، وفى تباهى بعضهم المقيت. بأهمية الدور الذى تلعبه صناعة السلاح فى اقتصاد بلدانهم، وفى الدعم اللا محدود لأبحاث وتطوير تكنولوجيا السلاح ليمتلك كفاءة وفاعلية أكبر فى قدراته التدميرية للعمران وللإنسان.
فإذا أضيف إلى ذلك تواطؤ بعضهم مع مؤسسات استخباراتهم لخلق وتدريب وتمويل وتسليح شتى أنواع الميليشيات الإرهابية الإجرامية لتدمير هذا البلد أو لزعزعة ذلك النظام أو لاغتيال السياسيين والعلماء والصحفيين والشباب المناضلين الأحرار، أدركنا حجم النفاق وتنوع الأقنعة وكذب الخطابات فى ذلك السيرك الباريسى الرافع، زورا وبهتانا، لشعار نبيل كشعار السلام.
***
هل حقا أن تاريخ الإنسانية، منذ التوقيع على سلام 1918 وعبر مائة سنة، يستحق أن يحتفى به؟ أليس ما رآه هذا العالم إبَّان تلك الفترة القصيرة يؤكد ما قاله الفيلسوف كانت عن التاريخ، من أنه «محاك من حماقات وغرور وشرور بشرية وأن التاريخ ليس سجلا للحكمة الإنسانية، وأن أى تقدم حصل لا فضل فيه للبشر وإنما لقوانين وخطة الطبيعة التى ينفذها البشر»؟
بل، ويالسخرية القدر، فإن الذى حصل فى المائة سنة الماضية يناقض ما قاله الفيلسوف الفرنسى الشهير فولتير من أهمية العقل فى التاريخ، إذ لم ير العالم طيلة المائة سنة تلك إلا عنفوان وبلادات اللا موضوعية، وإلا جرائم التوحش البربرى اللا إنسانى.
نحن العرب بالذات، صدقنا بعفوية وبراءة وعود وخطابات الذين وقعوا على وثائق ذلك السلام يوم 11 نوفمبر 1918. وإذا بالذين وقعوا يطعنوننا فى الخاصرة، فيقسموا مشرق وطننا العربى عن طريق اتفاق سايس ــ بيكو الشهير. فلا بريطانيا المنتصرة وفت بوعودها ولا فرنسا الخارجة من ويلات الهزيمة تعلمت الدرس.
وما إن مرت بضع سنوات على تلك الاتفاقية التجزيئية الاستعمارية المشئومة حتى فاجأنا نفس غرب «السلام» بزرع كيان استعمارى استئصالى صهيونى فى فلسطين العربية المحتلة، تعويضا لليهود عن جرائم ارتكبها بحق بعضهم ذات الغرب الأوروبى الذى دشن قرن ذلك السلام المزعوم.
ولم يقف الأمر عند ذلك الحد فقد نصب الغرب نفسه كمانع لأى وحدة عربية من أى نوع كان وفى أى مكان، وكان عراب لكل مصالحة أو تطبيع أو سلام مع الكيان الصهيونى الذى ابتلع أكثر من خمس وثمانين فى المائة من أرض فلسطين العربية التاريخية ويحتل الجولان وأجزاء من جنوب لبنان، وأخيرا أصبح الغرب، ممثلا بأمريكا، أداة من أدوات إنهاء القضية الفلسطينية، وذلك على حساب أربعة عشر مليونا من الفلسطينيين. كما أن دماء الضحايا تقطر من يد هذا الغرب بتدخلاته ومؤمراته فى العراق وسوريا وليبيا واليمن وغيرهم، وبألاعيب استخباراته وتناغم خططها مع ألاعيب وخطط مجموعات من الجهاديين المجانين المحسوبين، كذبا وتلفيقا، على دين الإسلام.
فهل بعد كل ذلك يراد لنا أن نرحب ونصفق ونهلل لاجتماع السلام فى باريس، بعد أن خبر العالم نتائج ومصائب سلام 1918؟ وبعد أن اكتوينا، نحن العرب، بنيران بعض دول الغرب التى حرقت الأخضر واليابس فى أرضنا ومنعت وحدة أمتنا ونهوضنا من تخلفنا التاريخى بشتى الحيل والتبريرات؟
ما يحتاجه هذا العالم ليست تلك الشعلة التى تحترق ليلا ونهارا فوق قبر الجندى المجهول، تحت قوس النصر، فى شارع الشانزليزيه الجميل الأنيق.
ما يحتاجه العالم هو إشعال شعلة المشاعر الإنسانية العادلة الخيرة الأخلاقية فى قلوب المسئولين والشعوب، وعلى الأخص مسئولو وشعوب دول القوة والجاه والغنى الغربية الماسكة برقاب العباد، والتى لا تشبع ولا ترتوى من ثروات الآخرين الفقراء الضعاف المغلوبين على أمرهم.
الكثيرون من الذين وقفوا فى باريس ليرفعوا راية السلام يحتاجون أولا إنزال رايات الحروب التى ترفرف فوق رءوسهم، كفى نفاقا وتدليسا ولبس أقنعة وانتهازية سياسية، فقد اتخموا العالم بتلك الرذائل وأوصلوه إلى مراحل الغثيان.

نقلا عن الشروق القاهرية

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تجار الحروب إذ يحتفلون بالسلام تجار الحروب إذ يحتفلون بالسلام



GMT 20:22 2023 الخميس ,19 تشرين الأول / أكتوبر

مليونية ضد التهجير

GMT 03:11 2023 الأربعاء ,21 حزيران / يونيو

الخالدون أم العظماء

GMT 04:43 2023 الإثنين ,19 حزيران / يونيو

كل سنة وأنت طيب يا بابا

GMT 04:15 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

الزعامة والعقاب... في وستمنستر

GMT 03:32 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

حدوتة مصرية فى «جدة»

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 11:54 2024 الإثنين ,06 أيار / مايو

أحذية لا غنى عنها في موسم هذا الصيف

GMT 11:06 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجدي السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 05:00 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

بوجاتي تشيرون الخارقة في مواجهة مع مكوك فضاء

GMT 09:55 2025 الثلاثاء ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

تعقيدات قواعد المجوهرات في العمل

GMT 01:45 2022 الأربعاء ,14 أيلول / سبتمبر

فراس شواط يدعم صفوف الإسماعيلي لـ 3 مواسم

GMT 01:06 2021 الأربعاء ,09 حزيران / يونيو

تسريبات جديدة تكشف مواصفات هاتف سامسونج Galaxy M32

GMT 06:31 2020 الخميس ,11 حزيران / يونيو

آسر ياسين يحذر من عملية نصب على طريقة "بـ100 وش"

GMT 10:53 2020 الخميس ,16 كانون الثاني / يناير

مقتل طبيب مصري فى ليبيا على يد مرتزقة أردوغان

GMT 08:17 2019 الخميس ,03 كانون الثاني / يناير

مدحت صالح يكشف أسباب عمله في الملاهي الليلية

GMT 09:56 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

مكافأة غريبة تقدمها شركة "تسلا" لملاك سياراتها

GMT 09:35 2016 الأربعاء ,12 تشرين الأول / أكتوبر

رئيس الوزارء اليونانى اليكسيس تسيبراس يزور اهرامات الجيزة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt