توقيت القاهرة المحلي 18:53:56 آخر تحديث
  مصر اليوم -

هندسة تغيير السلطة

  مصر اليوم -

هندسة تغيير السلطة

بقلم : عبد اللطيف المناوي

في لحظة بدت كأنها خارجة من أرشيف الانقلابات القديمة، استيقظ العالم على إعلانٍ صادم، الرئيس الأمريكى دونالد ترامب يقول إن الولايات المتحدة نفّذت «ضربة واسعة النطاق» ضد فنزويلا، وإن الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته «أُلقى القبض عليهما ونُقلا خارج البلاد».

سواء ثَبُتت تفاصيل الرواية كما قيلت حرفيًا أم تبدلت مع تكشف الوقائع، فمجرد تداولها بهذه الصيغة، وبهذا المستوى من الثقة، يعيد فتح باب قديم فى الذاكرة السياسية، باب «أمريكا اللاتينية» بوصفها المسرح الأكثر تكرارًا لاختبار القوة الأمريكية، والتدخل المباشر أو غير المباشر، وصناعة نهايات الحكام خارج الحدود.

هذه ليست قصة فنزويلا وحدها، بل قصة منطق حاكم طويل: منطق «الفناء الخلفى» الذى لم يختف، بل تغيرت لغته وأدواته. فمنذ القرن التاسع عشر، تشكلت العقيدة السياسية الأمريكية تجاه نصف الكرة الغربى على قاعدة أن هذه المنطقة ليست ساحة عادية فى العلاقات الدولية، بل مجال نفوذ «محجوز» ينبغى منع الآخرين من مزاحمته. «مبدأ مونرو» الذى خرج عام ١٨٢٣ ظاهره منع أوروبا من التوسع فى الأميركتين، وباطنه، كما قرأته أجيال لاحقة، إعلان وصاية مبكرة على الجغرافيا السياسية للقارة.

ثم جاء «ملحق روزفلت» فى مطلع القرن العشرين ليحول الوصاية من موقف دفاعى إلى رخصة تدخل، حين تُعرِّف واشنطن «الاضطراب» أو «سوء الإدارة» فى دولةٍ ما بوصفه خطرًا يبرّر التدخل لإعادة «النظام». هذه اللغة الأخلاقية، لتى تبدو أنيقة على الورق، كانت فى الواقع مظلة سياسية لتثبيت النفوذ، وتأمين طرق التجارة، وحماية الاستثمارات، وإرسال رسائل ردع للخصوم الدوليين.

ومنذ ذلك الحين، صار التدخل مدرسة بأكثر من فصل، لا نوعا واحدًا. هناك تدخل «بالاحتلال» حين تذهب القوات إلى الأرض، وتدخل «بالانقلاب» حين تُدار السياسة من غرفة أخرى، وتدخل «بالحصار» حين يصبح الاقتصاد هو ساحة المعركة، وتدخل «بالاعتراف والشرعية» حين تعاد صياغة الداخل عبر دعم طرفٍ ومنح آخر العزلة. حتى عندما تراجعت شهية الاحتلال العسكرى المباشر مع الزمن، ظل جوهر الفكرة حيا، لا تُترك المنطقة لتوازناتها وحدها.

فى الحرب الباردة، كان الشعار الأكبر هو «مكافحة الشيوعية»، وفى ما بعد صار الشعار «الديمقراطية وحقوق الإنسان»، ثم «الحرب على المخدرات»، ثم «مكافحة الإرهاب»، ثم «الاستقرار ومنع الفوضى والهجرة»، وكلها عناوين متغيرة تغطى أسئلة ثابتة: من يحكم؟ مع من يتحالف؟ من يملك النفط والغاز والممرات؟ وما حدود اقترابه من خصوم واشنطن؟

ولهذا تبدو فنزويلا «بالذات» مادةً دائمة فى مختبر السياسة الأمريكية، بلد نفطى، قريب جغرافيًا، وتاريخه السياسى الحديث مفعم بالصدامات الأيديولوجية، وبحساسية شديدة تجاه السيادة الوطنية. وعندما يأتى خبر عن ضربات واعتقال رئيس ونقله خارج البلاد، فإن ذاكرة القارة لا تستقبله كصدمة مطلقة، بل كنسخة جديدة من حكاية تعرفها جيدًا.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

هندسة تغيير السلطة هندسة تغيير السلطة



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... إنه عظيم ومبجل

GMT 09:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن

GMT 09:20 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

الحوثي... حكايات إمامية

GMT 08:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

العراق: الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

جولة حرب أخرى؟!

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حرب ومواقف ذات دلالات

GMT 08:14 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

أندي بيرنهام... ثائر بريطاني؟!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 17:58 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

تقارير تكشف دراسة فيفا لتأجيل كأس العالم 2034
  مصر اليوم - تقارير تكشف دراسة فيفا لتأجيل كأس العالم 2034
  مصر اليوم - عون يؤكد أن نزع سلاح حزب الله ممكن حال توفر 3 شروط

GMT 09:53 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

توقف مرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 16:18 2023 الإثنين ,18 أيلول / سبتمبر

العراق فاتحاً ذراعيه لأخوته وأشقائه

GMT 07:12 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

هل للطفل مطلق الحرية ؟

GMT 10:17 2024 الإثنين ,30 كانون الأول / ديسمبر

أسماء الأسد ممنوعة من دخول بريطانيا

GMT 08:33 2016 السبت ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

هشام عز العرب يرحب بإلغاء العمولات على تحويلات المصريين
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt