توقيت القاهرة المحلي 07:01:26 آخر تحديث
  مصر اليوم -

السلاح لا يخفي صوت الضحايا إلى الأبد

  مصر اليوم -

السلاح لا يخفي صوت الضحايا إلى الأبد

بقلم : عبد اللطيف المناوي

عندما نظرتُ فى وجه على كوشيب وهو واقف فى قفص المحكمة فى لاهاى، ذلك الرجل الذى حملت كتفاه، وربما رقبته، مسؤولية تعذيب وقتل وحرق وتشريد آلاف البشر فى دارفور، تمنّيت أن أعرف ما الذى يدور داخله الآن. هل هو الندم.. هل هو ألم الشيخوخة حين تداهم الإنسان ذاكرته وجرائمه فى آن واحد.. أم هو مجرد ذلك الصمت الثقيل الذى يختبئ خلفه كثير من أمراء الحرب حين يسقط سلاحهم ويقفون أخيراً بلا جنود، ولا صحراء تحميهم؟!.

كان وجهه أشبه بمرآة متعبة؛ لا يخبرك بشىء، لكنه يقول كل شىء. هذا الرجل الذى كان يومًا رمزا للرعب والجريمة، ظهر فى المحكمة صغيرًا، هشًّا، محاطًا بسلطة القانون بعدما قضى عمره متكئًا على سلطة السلاح. وحين حكمت المحكمة الجنائية الدولية بسجنه عشرين عاما، لم يكن الحكم مجرد إدانة لشخص، بل لإحدى أكثر الصفحات قتامة فى تاريخ السودان الحديث.

فى دارفور، لم تكن الجرائم أرقاما، بل وجوها وقرى بأكملها اختفت. كان كوشيب أحد أبرز قادة ميليشيات الجنجويد التى اجتاحت الإقليم مطلع الألفية، تلك المجموعات التى مارس أفرادها القتل والحرق والاغتصاب بلا هوادة، بدعم وتسليح وتوجيه مباشر من نظام عمر البشير.

الجرائم التى أُدين بها فى لاهاى ليست سوى جزء من سجل طويل شملت قرى أُحرقت بمن فيها وعائلات أبيدت ونساء اغتُصبن وأطفال فُقدوا ومسيرات نزوح لا تنتهى، ما يجعل لحظة المحكمة استثنائية، ليس فقط الإدانة، بل الاعتراف الضمنى بأن العدالة قد تصل متأخرة، لكنها تصل.

حكاية كوشيب ليست تاريخا منقطع الصلة بالواقع. فالجنجويد التى كان أحد قادتها لم تختفِ، بل تحوّلت تدريجيا إلى كيان أكبر وأقوى وأكثر تنظيما هو قوات الدعم السريع. ففى ٢٠١٣، قررت الدولة السودانية «شرعنة» الجنجويد، منحتهم اسمًا جديدًا، زيًّا نظاميًّا، رواتب، شرعية قانونية، وموقعًا داخل الأجهزة الأمنية.. ولكن الحقيقة التى يدركها كل سودانى هى أن البنية البشرية واحدة، والعقيدة القتالية واحدة، والمنهج فى التعامل مع المدنيين لم يتغير. وأصبحت أداة حرب كبرى فى الخرطوم ودارفور من جديد منذ ٢٠٢٣، مع تكرار مشاهد القتل الجماعى والتهجير والانتهاكات، ولكن هذه المرة بقدرة نارية أكبر، وبدعم سياسى وعسكرى أوسع. لقد كان كوشيب النسخة الأولى من هذا النموذج، والدعم السريع نسخته الأكثر تعقيدا واتساعا.

المحاكمة رسالة لمن يظن أن السلاح يحمى إلى الأبد، مشهد المحكمة كان فى جوهره، اختبارا أخلاقيا لمن يخوضون الحرب اليوم داخل السودان.

لقد عاش كوشيب سنوات طويلة محصنا بالسلاح وبالسلطة التى وفّرها له النظام. وأعتقد، مثل كثيرين، أن أحدًا لن يمسّه.. لكن الطريق الطويل انتهى به أخيرا فى قبضة العدالة الدولية.

الرسالة ليست للماضى، بل للحاضر، كما سنرى.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

السلاح لا يخفي صوت الضحايا إلى الأبد السلاح لا يخفي صوت الضحايا إلى الأبد



GMT 06:23 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

شرقٌ لا شرقَ بعده

GMT 06:21 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

عون في البيت الأبيض: زيارة الطلاق مع إيران

GMT 06:18 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

عندما لا يكون لديك غير سلاحٍ واحد!

GMT 06:15 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

هل باحَ عراقجي بالأسرار؟!

GMT 06:10 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

إيران... مشكلة معيشية على آخر نَفَس!

GMT 06:07 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

انحسار مياه النيل يعيد جدل سد النهضة

GMT 06:03 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

«اعترافات جنبلاط» ودروسٌ من التاريخ

GMT 06:00 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

مسلة فرعونية في باريس!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 09:53 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

توقف مرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 16:18 2023 الإثنين ,18 أيلول / سبتمبر

العراق فاتحاً ذراعيه لأخوته وأشقائه

GMT 07:12 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

هل للطفل مطلق الحرية ؟

GMT 10:17 2024 الإثنين ,30 كانون الأول / ديسمبر

أسماء الأسد ممنوعة من دخول بريطانيا

GMT 08:33 2016 السبت ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

هشام عز العرب يرحب بإلغاء العمولات على تحويلات المصريين
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt