توقيت القاهرة المحلي 13:15:48 آخر تحديث
  مصر اليوم -

جرائم النخبة وضياع الأوطان

  مصر اليوم -

جرائم النخبة وضياع الأوطان

بقلم : عبد اللطيف المناوي

تلمّح ستيفانى ويليامز فى كتابها «ليبيا منذ القذافى: الفوضى والبحث عن السلام» إلى حقيقة أكثر إزعاجًا من فكرة «الاحتلال» ذاتها، ليبيا لم تُغزَ بالقوة، بل انفتحت من الداخل. لم تُكسر أبوابها بالدبابات، بل فُتحت عبر تفاوض هش، وشخصيات ضعيفة، ومصالح شخصية ضيقة، وبيع تدريجى للقرار الوطنى. الخارج لم يحتج إلى فرض إرادته بالقوة، لأنه وجد من يعرضها طوعًا، أو على الأقل من لا يملك القدرة ولا الإرادة لرفضها.

هنا ينهار أكبر مبرر جاهز فى الخطاب الليبى، «كل ما حدث مؤامرة خارجية». الكتاب يقدّم حقيقة قاسية، لا توجد مؤامرة تنجح من دون بيئة داخلية قابلة للاختراق. المؤامرة تحتاج أدوات محلية، وواجهات سياسية، ووسطاء، ونخبًا لا ترى فى الدولة سوى وسيلة للنفوذ أو الوجاهة أو المكاسب. الخارج لا يشترى وطنًا بالقوة، بل يشتريه عندما يجد من يقدّمه بثمن بخس، أو حين يكتشف أن الحراس غائبون.

الأخطر من ذلك أن كثيرًا ممن تفاوضوا باسم ليبيا لم يفهموا أصلًا لغة المصالح الدولية. لم يميزوا بين التفاوض والتنازل، ولا بين الشراكة والتبعية. فى عالم تحكمه موازين قوى دقيقة، تحوّلت ليبيا إلى ورقة فى أيدى الآخرين، لا لاعبًا يمتلك أوراقه.

من أكثر الصور الرمزية دلالة فى هذا المشهد أن الفرقاء الليبيين نادرًا ما يجتمعون داخل ليبيا نفسها. ليس الأمر خوفًا من العنف فحسب، بل لأن الداخل يكشف هشاشتهم. فى الداخل، لا توجد منصات براقة، ولا كاميرات دولية، ولا شرعية مستعارة. الداخل يعرى ضعفهم، ويفضح خواء تمثيلهم، ويضعهم فى مواجهة واقع لا يستطيعون التحكم فى صورته. أما الخارج، يمنحهم البروتوكول، والصفة، والمنصة، والإحساس الزائف بالقوة. فى الخارج يبدو الجميع «رجال دولة»، وفى الداخل يسقط القناع.

لا يكتب هذا الكتاب تاريخ ليبيا بقدر ما يقدّم تشريحًا أخلاقيًا لنخبتها. ليبيا لم تنهر لأن الخارج كان أقوى فحسب، بل لأنها كانت ممثَّلة بنخبة أضعف من أن تحميها. لم تختطف السيادة قسرًا، بل تُركت بلا حراسة. لم تُسرق الدولة ليلًا، بل وُضعت على الطاولة نهارًا. أخطر ما فى الأزمة الليبية ليس حجم التدخلات الخارجية، بل حجم القابلية الداخلية للبيع. وهنا تكمن القيمة الحقيقية للكتاب. أهميته لا تأتى من كشف وثائق سرية، ولا من إدانة طرف دون آخر، بل من وضع الإصبع على الجرح الأعمق، غياب الحس الوطنى، وتآكل المعنى الأخلاقى للمسؤولية العامة. فالدولة لا تسقط فقط عندما تُهزم عسكريًا، بل عندما تفقد نخبها الإحساس بقداستها السياسية.

ليبيا لم تُدمر بالسلاح وحده، بل دُمّرت حين تحوّل القرار الوطنى إلى ورقة تفاوض شخصية، وحين أصبحت السيادة خطابًا للاستهلاك لا ممارسة تُدافع عنها المؤسسات. وهذا هو الجزء الأصعب فى المأساة الليبية.

تلك هى الرسالة التى يفرضها الكتاب على قارئه، المشكلة لم تكن فقط فى قوة الآخرين، بل فى ضعف الداخل. ومواجهة هذا الضعف هى المعركة الحقيقية التى لم تبدأ بعد.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

جرائم النخبة وضياع الأوطان جرائم النخبة وضياع الأوطان



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 18:53 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج العقرب الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:39 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الثور الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:59 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الدلو الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:36 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الحمل الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:56 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الجدي الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 19:01 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الحوت الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 05:07 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج القوس الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:13 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الجدي الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:01 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الأسد الميزان 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 04:24 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الثور الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 18:54 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج القوس الخميس 06 أغسطس/ آب 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt