توقيت القاهرة المحلي 17:11:00 آخر تحديث
  مصر اليوم -

جرائم النخبة وضياع الأوطان

  مصر اليوم -

جرائم النخبة وضياع الأوطان

بقلم : عبد اللطيف المناوي

تلمّح ستيفانى ويليامز فى كتابها «ليبيا منذ القذافى: الفوضى والبحث عن السلام» إلى حقيقة أكثر إزعاجًا من فكرة «الاحتلال» ذاتها، ليبيا لم تُغزَ بالقوة، بل انفتحت من الداخل. لم تُكسر أبوابها بالدبابات، بل فُتحت عبر تفاوض هش، وشخصيات ضعيفة، ومصالح شخصية ضيقة، وبيع تدريجى للقرار الوطنى. الخارج لم يحتج إلى فرض إرادته بالقوة، لأنه وجد من يعرضها طوعًا، أو على الأقل من لا يملك القدرة ولا الإرادة لرفضها.

هنا ينهار أكبر مبرر جاهز فى الخطاب الليبى، «كل ما حدث مؤامرة خارجية». الكتاب يقدّم حقيقة قاسية، لا توجد مؤامرة تنجح من دون بيئة داخلية قابلة للاختراق. المؤامرة تحتاج أدوات محلية، وواجهات سياسية، ووسطاء، ونخبًا لا ترى فى الدولة سوى وسيلة للنفوذ أو الوجاهة أو المكاسب. الخارج لا يشترى وطنًا بالقوة، بل يشتريه عندما يجد من يقدّمه بثمن بخس، أو حين يكتشف أن الحراس غائبون.

الأخطر من ذلك أن كثيرًا ممن تفاوضوا باسم ليبيا لم يفهموا أصلًا لغة المصالح الدولية. لم يميزوا بين التفاوض والتنازل، ولا بين الشراكة والتبعية. فى عالم تحكمه موازين قوى دقيقة، تحوّلت ليبيا إلى ورقة فى أيدى الآخرين، لا لاعبًا يمتلك أوراقه.

من أكثر الصور الرمزية دلالة فى هذا المشهد أن الفرقاء الليبيين نادرًا ما يجتمعون داخل ليبيا نفسها. ليس الأمر خوفًا من العنف فحسب، بل لأن الداخل يكشف هشاشتهم. فى الداخل، لا توجد منصات براقة، ولا كاميرات دولية، ولا شرعية مستعارة. الداخل يعرى ضعفهم، ويفضح خواء تمثيلهم، ويضعهم فى مواجهة واقع لا يستطيعون التحكم فى صورته. أما الخارج، يمنحهم البروتوكول، والصفة، والمنصة، والإحساس الزائف بالقوة. فى الخارج يبدو الجميع «رجال دولة»، وفى الداخل يسقط القناع.

لا يكتب هذا الكتاب تاريخ ليبيا بقدر ما يقدّم تشريحًا أخلاقيًا لنخبتها. ليبيا لم تنهر لأن الخارج كان أقوى فحسب، بل لأنها كانت ممثَّلة بنخبة أضعف من أن تحميها. لم تختطف السيادة قسرًا، بل تُركت بلا حراسة. لم تُسرق الدولة ليلًا، بل وُضعت على الطاولة نهارًا. أخطر ما فى الأزمة الليبية ليس حجم التدخلات الخارجية، بل حجم القابلية الداخلية للبيع. وهنا تكمن القيمة الحقيقية للكتاب. أهميته لا تأتى من كشف وثائق سرية، ولا من إدانة طرف دون آخر، بل من وضع الإصبع على الجرح الأعمق، غياب الحس الوطنى، وتآكل المعنى الأخلاقى للمسؤولية العامة. فالدولة لا تسقط فقط عندما تُهزم عسكريًا، بل عندما تفقد نخبها الإحساس بقداستها السياسية.

ليبيا لم تُدمر بالسلاح وحده، بل دُمّرت حين تحوّل القرار الوطنى إلى ورقة تفاوض شخصية، وحين أصبحت السيادة خطابًا للاستهلاك لا ممارسة تُدافع عنها المؤسسات. وهذا هو الجزء الأصعب فى المأساة الليبية.

تلك هى الرسالة التى يفرضها الكتاب على قارئه، المشكلة لم تكن فقط فى قوة الآخرين، بل فى ضعف الداخل. ومواجهة هذا الضعف هى المعركة الحقيقية التى لم تبدأ بعد.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

جرائم النخبة وضياع الأوطان جرائم النخبة وضياع الأوطان



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... إنه عظيم ومبجل

GMT 09:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن

GMT 09:20 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

الحوثي... حكايات إمامية

GMT 08:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

العراق: الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

جولة حرب أخرى؟!

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حرب ومواقف ذات دلالات

GMT 08:14 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

أندي بيرنهام... ثائر بريطاني؟!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - عون يؤكد أن نزع سلاح حزب الله ممكن حال توفر 3 شروط

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:01 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 22:00 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وصفات طبيعية لتنظيف الأثاث المعدني

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة

GMT 14:26 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 18:47 2021 الثلاثاء ,23 شباط / فبراير

عادات خاطئة تفعلها عند شرب الماء تؤدي إلى الموت

GMT 17:17 2019 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

حريق في مبنى الخارجية المصرية

GMT 01:20 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

الفنان تامر حسني يحتفل بـ أحمد عصام بهذه الطريقة

GMT 07:33 2024 الجمعة ,16 شباط / فبراير

مفاجأة بشأن الشرط الجزائي في عقد هالاند
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt