توقيت القاهرة المحلي 19:14:00 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الفيلسوف الذى لم يدَّعِ امتلاك الحقيقة

  مصر اليوم -

الفيلسوف الذى لم يدَّعِ امتلاك الحقيقة

بقلم : عبد اللطيف المناوي

منذ أكثر من عشرين عامًا، شاهدتُ المفكر مراد وهبة فى أحد البرامج العربية التى اشتهرت يومها بصناعة «صراع الديوك» على الشاشات، حتى بات الاستفزاز فيها بديلاً عن الحوار. توقفت طويلًا أمام ردود فعل الفيلسوف تجاه محاولات المذيع المتكررة لإخراجه عن هدوئه. كانت ابتسامته الهادئة، وصوته الواثق الراضى، ومنطقة الذى بدا مؤمنًا بأدواته، هى سلاحه الطبيعى. وحين ضاق المذيع بمنطقه، قال له ساخرًا غاضبًا فى آن: «إنت جاى هنا تتفلسف يا دكتور؟»، فأجابه بنفس الابتسامة: «بالطبع أنا أتفلسف، فأنا فيلسوف».

كان غضبى يومها من هذا الاستخفاف بالعقل والمفكر دافعًا لاستضافته لاحقًا فى برنامج كنت أقدمه آنذاك بعنوان «الرأى الثالث». وأظنها من الحلقات التى بقيت قريبة إلى قلبى، رغم أنها من البدايات. من تلك اللحظة، حرصت على متابعة كتاباته وأنشطته بشكل أكثر مما اعتدت، وعلى استمرار التواصل معه.

ثم منحنى الحظ فرصة أعمق، رحلة طويلة من القاهرة إلى أصيلة. كنا معًا لساعات وأيام خمسة، ومعى ابنتى هيا، وكان عمرها وقتها نحو ثمانية عشرة عامًا. راقبتُ الفيلسوف، والفارق بينه وبينها يتجاوز السبعين عامًا، وهو يناقشها بالاهتمام نفسه، والابتسامة نفسها، والهدوء نفسه، والعمق المبسّط ذاته. هناك رأيت صدق إنسانيته وانفتاحه الراضى، مع المختلف عنه فى الفكر والعمر. قد لا أكون اتفقت مع كل ما طرحه من أفكار، لكنى احترمت دومًا قبوله للاختلاف، ومنطقه الهادئ، وقناعاته التى رحبت بالمختلفين معها دون تسفيه أو تعالٍ.

برحيل مراد وهبة، لا نفقد أستاذ فلسفة فقط، بل نفقد نموذجًا نادرًا للمثقف الذى اختار طريقًا شاقًا، مسيرته الأكاديمية لم تكن منفصلة عن معركته الفكرية. فقد كان واحدًا من أبرز دعاة التنوير فى مصر والعالم العربى، وذكّرنا باستمرار بأن العلمانية ليست ضد الدين، بل هى فصل بين «المطلق» و«النسبى»، حمايةً للإيمان من التسييس، وللسياسة من القداسة.

خاض وهبة معاركه الكبرى ضد الأصولية لا بالصراخ، بل بالتفكيك والتحليل. اشتغل على المفاهيم، لا على الأشخاص. وقدم مشروعًا فكريًا متماسكًا لإحياء «الرشدية»، بوصفها تقليدًا عقلانيًا أصيلًا فى الثقافة الإسلامية، لا مستوردًا. كشف أن ادعاء امتلاك الحقيقة الكاملة هو المنبع الأعمق للعنف والإرهاب.

لم يكن وهبة فيلسوف برج عاجى، بل مفكرًا حرص على مخاطبة المجال العام. كتب، وحاضر، وناقش، ودفع ثمن مواقفه، فمُنع من التدريس فترة، وتعرض لهجمات متكررة. ومع ذلك، لم يفقد هدوءه، ولم يتخلَّ عن ابتسامته، ولم ينجرّ إلى كراهية خصومه. وحين رحل، بدا مؤلمًا أن يتحول موته إلى ساحة لتصفية الحسابات. لكن حتى هذا الجدل، فى جوهره، شهادة على أثره، فالأفكار الحقيقية لا تمرّ بلا مقاومة.

أظنه، لو كان متابعًا لما دار بعد غيابه من دفاع محترم، وهجوم متجاوز، لظل محتفظًا بابتسامته الهادئة، وتقديره واحترامه لكل المختلفين قبل المتفقين معه.

ذلك أنه، ببساطة، يعرف أن الفلسفة، فى جوهرها، ليست امتلاك الإجابة، بل شرف السؤال.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الفيلسوف الذى لم يدَّعِ امتلاك الحقيقة الفيلسوف الذى لم يدَّعِ امتلاك الحقيقة



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... إنه عظيم ومبجل

GMT 09:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن

GMT 09:20 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

الحوثي... حكايات إمامية

GMT 08:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

العراق: الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

جولة حرب أخرى؟!

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حرب ومواقف ذات دلالات

GMT 08:14 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

أندي بيرنهام... ثائر بريطاني؟!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - عون يؤكد أن نزع سلاح حزب الله ممكن حال توفر 3 شروط

GMT 09:53 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

توقف مرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 16:18 2023 الإثنين ,18 أيلول / سبتمبر

العراق فاتحاً ذراعيه لأخوته وأشقائه

GMT 07:12 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

هل للطفل مطلق الحرية ؟

GMT 10:17 2024 الإثنين ,30 كانون الأول / ديسمبر

أسماء الأسد ممنوعة من دخول بريطانيا

GMT 08:33 2016 السبت ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

هشام عز العرب يرحب بإلغاء العمولات على تحويلات المصريين

GMT 20:47 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

مؤشرا البحرين يقفلان التعاملات على ارتفاع
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt