بقلم : عبد اللطيف المناوي
التحركات المصرية الأخيرة داخل مجلس السلم والأمن الأفريقى وتصريحات وزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطى ليست مجرد نشاط دبلوماسى عابر فى إطار الرئاسة المصرية للمجلس، بل إعلان سياسى واضح المعالم عن طبيعة الموقف المصرى من الأزمة السودانية. مصر تحركت فى مسارين متوازيين؛ دعم مباشر فى الإطار الثنائى، وتحرك مكثف فى الإطار متعدد الأطراف عبر الاتحاد الأفريقى والمنظمات الإقليمية والدولية.
فى صلب الخطاب المصرى، برزت عبارة مفصلية، إن استقرار السودان ضرورة إقليمية مُلِحّة لتجنب انتشار الفوضى والسلاح وتصاعد التهديدات الإرهابية. هذه الصياغة لا تعكس فقط تضامنًا سياسيًا، بل قراءة أمنية مباشرة لنتائج الصراع. فبالنسبة للقاهرة، انهيار الدولة السودانية أو تفككها لن يكون شأنًا داخليًا سودانيًا، بل سيفتح المجال أمام تمدد الفوضى عبر الحدود، ويخلق بيئة خصبة لتكاثر الجماعات المسلحة وتهريب السلاح، وهو سيناريو تعتبره مصر تهديدًا مباشرًا لا يمكن التساهل معه. ومن هنا جاء الربط الصريح بين الأمن القومى المصرى وأمن السودان، باعتباره ترابطًا موضوعيًا لا خطابًا إنشائيًا.
الملمح الثانى الأبرز فى الموقف المصرى هو الانحياز الواضح إلى مفهوم الدولة ومؤسساتها الوطنية.. فقد شدد وزير الخارجية على دعم وحدة السودان وسلامة أراضيه وصون مؤسساته، وإدانة الانتهاكات التى ارتكبتها الميليشيات، ورفض محاولات تقسيم البلاد. هذا التركيز على «الدولة» لا «الأطراف» يعكس رؤية ثابتة فى السياسة المصرية؛ الحفاظ على بنية الدولة المركزية هو المدخل الوحيد لإعادة الاستقرار، وأن أى تسوية تتجاوز مؤسسات الدولة أو تساوى بينها وبين الميليشيات المسلحة تمثل خطرًا طويل الأمد على وحدة السودان.
كما حمل الخطاب المصرى رسالة واضحة بشأن رفض التقسيم أو إعادة هندسة السودان إلى مناطق نفوذ.. فالقاهرة ترى أن أخطر ما قد ينتج عن استمرار الحرب هو انزلاق البلاد إلى واقع تفكك جغرافى أو أمر واقع ميليشياوى يحوّل السودان إلى ساحة صراع إقليمى مفتوحة. وفى الوقت نفسه، أكدت مصر انفتاحها على مختلف المبادرات الدولية، لكنها شددت على أن العملية السياسية يجب أن تكون برؤية سودانية خالصة.
الترتيب المصرى للتعامل مع الأزمة.. هدنة إنسانية شاملة تقود إلى وقف دائم لإطلاق النار، وتأمين وصول المساعدات، تهيئة الظروف لعملية سياسية جامعة.. هذا يعنى ان أى حديث عن تسوية سياسية شاملة فى ظل استمرار المعارك سيبقى هشًا وغير قابل للاستدامة. وفى هذا السياق، أكدت مصر أهمية تنسيق المسارات المختلفة، الأممية والأفريقية والإقليمية، لتجنب تضارب المبادرات وتفتيت الجهود.
إصرار القاهرة على إشراك السودان فى جلسات المشاورات رغم تعليق عضويته فى الاتحاد الأفريقى يؤكد أهمية الاستماع إلى الرؤية الوطنية السودانية وعدم مناقشة مستقبل البلاد فى غياب ممثليها الرسميين.. كما أن الربط المتزامن بين موقفى مصر من السودان والصومال، ورفض أى وجود عسكرى لدول غير مشاطئة للبحر الأحمر، يعكس رؤية أشمل تعتبر أن استقرار السودان جزء من معادلة أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقى ككل.