توقيت القاهرة المحلي 16:45:37 آخر تحديث
  مصر اليوم -

البقاء للأذكى

  مصر اليوم -

البقاء للأذكى

بقلم : عبد اللطيف المناوي

لم يعد الذكاء الاصطناعى مجرد أداة لتحسين الكفاءة أو خفض التكاليف، بل أصبح قوة تاريخية تعيد تشكيل العالم كما نعرفه. نحن لا نعيش مرحلة «تطور مهنى»، بل لحظة فاصلة تُعاد فيها صياغة مفهوم الوظيفة ذاته: لماذا وُجدت؟ لمن؟ وما القيمة الحقيقية للإنسان داخلها؟ فى هذا العالم الجديد، لا مكان للثبات، ولا ضمان للاستمرار إلا بالقدرة على التكيّف.

خلال عقود، بُنى الاقتصاد العالمى على فكرة واضحة، النمو يعنى التوسع، والتوسع يعنى توظيف المزيد من البشر. هذه المعادلة بدأت فى الانهيار. الشركات الكبرى، من التكنولوجيا إلى البنوك، ومن الإعلام إلى الاستشارات، تكتشف اليوم أن الذكاء الاصطناعى يفصل النمو عن التوظيف. يمكن للشركة أن تتضاعف قيمتها السوقية، وأن توسّع أعمالها عالميًا، دون أن تضيف موظفين، بل أحيانًا وهى تقلّص عددهم.

ما يحدث داخل شركة ماكنزى ليس استثناءً، بل علامة. شركة تُعدّ من أذكى العقول المؤسسية فى العالم، وتُعرف بقدرتها على استشراف الاتجاهات، قررت إعادة تشكيل نفسها، لا لأنها فشلت، بل لأنها فهمت أن النمو بالشكل القديم لم يعد صالحًا. الرسالة الضمنية هنا أقوى من أى بيان رسمى، حتى من يملك المعرفة، إن لم يُغيّر بنيته، سيتراجع.

لكن القصة أوسع من الاستشارات. فى الإعلام، تختفى وظائف كاملة كانت تُعدّ أساسية، محررو الأخبار الأولية، فرق التفريغ، باحثو الأرشيف. فى المحاسبة والقانون، تتقلص أدوار التحليل الروتينى والمراجعة التقليدية. فى التعليم، لم يعد نقل المعرفة هو الوظيفة، بل توجيه الفهم وبناء التفكير النقدى. حتى فى الطب، بدأت الخوارزميات تنافس فى التشخيص الأولى وقراءة صور الاشعة.

المشترك بين كل هذه القطاعات ليس «الأزمة»، بل إعادة توزيع القيمة. الذكاء الاصطناعى لا يقضى على الإنسان، لكنه يُقصى الإنسان الذى لا يضيف ما لا تستطيع الآلة تقديمه. الوظائف التى تعتمد على التكرار، التنفيذ، أو النقل الحرفى للمعلومة، أصبحت فى مرمى الاستبدال. أما الأدوار التى تقوم على الحكم، والمسؤولية الأخلاقية، والربط بين المعطيات، وفهم البشر والسياقات، فهى التى ستزداد أهمية، لا العكس.

الخطر الحقيقى لا يكمن فى الذكاء الاصطناعى، بل فى الإنكار. إنكار المؤسسات التى تؤجل التغيير خوفًا من الصدمة الاجتماعية، وإنكار الأفراد الذين يراهنون على خبراتهم القديمة باعتبارها «كافية». التاريخ الاقتصادى لا يرحم هذه الفئة. من لم يتعلّم فى الثورة الصناعية خرج من السوق. ومن لم يتقن الرقمنة فى التسعينيات تراجع. واليوم، من لا يعيد تعريف نفسه فى عصر الذكاء الاصطناعى، سيكون خارج المعادلة.

العالم الجديد لا يكافئ الأقدم، ولا الأكبر، ولا حتى الأكثر ذكاء بالمعنى التقليدى. هو يكافئ الأكثر مرونة. القادر على التعلّم السريع، وإعادة التموضع، وتقبّل أن الوظيفة ليست هوية ثابتة، بل دور متغير.

فى هذا السياق، ماكينزى وغيرها من الأسماء الكبيرة ليست قصة عن تسريحات أو إعادة هيكلة، بل مرآة.. مرآة تعكس حقيقة صادمة فى عصر الذكاء الاصطناعى، البقاء ليس للأقوى بل للأقدر على التغيّر.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

البقاء للأذكى البقاء للأذكى



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 18:53 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج العقرب الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:39 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الثور الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:59 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الدلو الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:36 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الحمل الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:56 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الجدي الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 19:01 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الحوت الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 05:07 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج القوس الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:13 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الجدي الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:01 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الأسد الميزان 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 04:24 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الثور الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 18:54 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج القوس الخميس 06 أغسطس/ آب 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt