توقيت القاهرة المحلي 00:52:57 آخر تحديث
  مصر اليوم -

البقاء للأذكى

  مصر اليوم -

البقاء للأذكى

بقلم : عبد اللطيف المناوي

لم يعد الذكاء الاصطناعى مجرد أداة لتحسين الكفاءة أو خفض التكاليف، بل أصبح قوة تاريخية تعيد تشكيل العالم كما نعرفه. نحن لا نعيش مرحلة «تطور مهنى»، بل لحظة فاصلة تُعاد فيها صياغة مفهوم الوظيفة ذاته: لماذا وُجدت؟ لمن؟ وما القيمة الحقيقية للإنسان داخلها؟ فى هذا العالم الجديد، لا مكان للثبات، ولا ضمان للاستمرار إلا بالقدرة على التكيّف.

خلال عقود، بُنى الاقتصاد العالمى على فكرة واضحة، النمو يعنى التوسع، والتوسع يعنى توظيف المزيد من البشر. هذه المعادلة بدأت فى الانهيار. الشركات الكبرى، من التكنولوجيا إلى البنوك، ومن الإعلام إلى الاستشارات، تكتشف اليوم أن الذكاء الاصطناعى يفصل النمو عن التوظيف. يمكن للشركة أن تتضاعف قيمتها السوقية، وأن توسّع أعمالها عالميًا، دون أن تضيف موظفين، بل أحيانًا وهى تقلّص عددهم.

ما يحدث داخل شركة ماكنزى ليس استثناءً، بل علامة. شركة تُعدّ من أذكى العقول المؤسسية فى العالم، وتُعرف بقدرتها على استشراف الاتجاهات، قررت إعادة تشكيل نفسها، لا لأنها فشلت، بل لأنها فهمت أن النمو بالشكل القديم لم يعد صالحًا. الرسالة الضمنية هنا أقوى من أى بيان رسمى، حتى من يملك المعرفة، إن لم يُغيّر بنيته، سيتراجع.

لكن القصة أوسع من الاستشارات. فى الإعلام، تختفى وظائف كاملة كانت تُعدّ أساسية، محررو الأخبار الأولية، فرق التفريغ، باحثو الأرشيف. فى المحاسبة والقانون، تتقلص أدوار التحليل الروتينى والمراجعة التقليدية. فى التعليم، لم يعد نقل المعرفة هو الوظيفة، بل توجيه الفهم وبناء التفكير النقدى. حتى فى الطب، بدأت الخوارزميات تنافس فى التشخيص الأولى وقراءة صور الاشعة.

المشترك بين كل هذه القطاعات ليس «الأزمة»، بل إعادة توزيع القيمة. الذكاء الاصطناعى لا يقضى على الإنسان، لكنه يُقصى الإنسان الذى لا يضيف ما لا تستطيع الآلة تقديمه. الوظائف التى تعتمد على التكرار، التنفيذ، أو النقل الحرفى للمعلومة، أصبحت فى مرمى الاستبدال. أما الأدوار التى تقوم على الحكم، والمسؤولية الأخلاقية، والربط بين المعطيات، وفهم البشر والسياقات، فهى التى ستزداد أهمية، لا العكس.

الخطر الحقيقى لا يكمن فى الذكاء الاصطناعى، بل فى الإنكار. إنكار المؤسسات التى تؤجل التغيير خوفًا من الصدمة الاجتماعية، وإنكار الأفراد الذين يراهنون على خبراتهم القديمة باعتبارها «كافية». التاريخ الاقتصادى لا يرحم هذه الفئة. من لم يتعلّم فى الثورة الصناعية خرج من السوق. ومن لم يتقن الرقمنة فى التسعينيات تراجع. واليوم، من لا يعيد تعريف نفسه فى عصر الذكاء الاصطناعى، سيكون خارج المعادلة.

العالم الجديد لا يكافئ الأقدم، ولا الأكبر، ولا حتى الأكثر ذكاء بالمعنى التقليدى. هو يكافئ الأكثر مرونة. القادر على التعلّم السريع، وإعادة التموضع، وتقبّل أن الوظيفة ليست هوية ثابتة، بل دور متغير.

فى هذا السياق، ماكينزى وغيرها من الأسماء الكبيرة ليست قصة عن تسريحات أو إعادة هيكلة، بل مرآة.. مرآة تعكس حقيقة صادمة فى عصر الذكاء الاصطناعى، البقاء ليس للأقوى بل للأقدر على التغيّر.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

البقاء للأذكى البقاء للأذكى



GMT 10:50 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تحولات

GMT 10:49 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوعٌ: باب الدموع ومنادب البردوني

GMT 10:48 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

كم تبلغ قوة القانون الدولي؟

GMT 10:47 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين؟

GMT 10:46 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

إيران: 6 سيناريوهات لحرب أخرى؟

GMT 10:45 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

العراق... نظام 2003 وأزمة النخب السياسية

GMT 10:44 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

طعام أهل الجنة

GMT 10:43 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

قضايا شعلتها لا تنطفئ

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:45 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحوت الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:29 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج السرطان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل القائمة للحصول على إطلالة مميزة وأنيقة

GMT 07:09 2024 الأربعاء ,06 آذار/ مارس

كتاب جديد عن بايدن يعترف فيه بأنه يشعر بالتعب

GMT 11:28 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

قمة نارية بين برشلونة ويوفنتوس بـ دوري أبطال أوروبا

GMT 01:25 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

ماسك يعلن دخول سيارة تسلا للعمل بلا سائق

GMT 10:13 2020 الخميس ,09 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 18:23 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

جائزتان لفيلم "أميرة "في مهرجان فينيسيا الـ٧٨
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt