توقيت القاهرة المحلي 17:11:00 آخر تحديث
  مصر اليوم -

البقاء للأذكى

  مصر اليوم -

البقاء للأذكى

بقلم : عبد اللطيف المناوي

لم يعد الذكاء الاصطناعى مجرد أداة لتحسين الكفاءة أو خفض التكاليف، بل أصبح قوة تاريخية تعيد تشكيل العالم كما نعرفه. نحن لا نعيش مرحلة «تطور مهنى»، بل لحظة فاصلة تُعاد فيها صياغة مفهوم الوظيفة ذاته: لماذا وُجدت؟ لمن؟ وما القيمة الحقيقية للإنسان داخلها؟ فى هذا العالم الجديد، لا مكان للثبات، ولا ضمان للاستمرار إلا بالقدرة على التكيّف.

خلال عقود، بُنى الاقتصاد العالمى على فكرة واضحة، النمو يعنى التوسع، والتوسع يعنى توظيف المزيد من البشر. هذه المعادلة بدأت فى الانهيار. الشركات الكبرى، من التكنولوجيا إلى البنوك، ومن الإعلام إلى الاستشارات، تكتشف اليوم أن الذكاء الاصطناعى يفصل النمو عن التوظيف. يمكن للشركة أن تتضاعف قيمتها السوقية، وأن توسّع أعمالها عالميًا، دون أن تضيف موظفين، بل أحيانًا وهى تقلّص عددهم.

ما يحدث داخل شركة ماكنزى ليس استثناءً، بل علامة. شركة تُعدّ من أذكى العقول المؤسسية فى العالم، وتُعرف بقدرتها على استشراف الاتجاهات، قررت إعادة تشكيل نفسها، لا لأنها فشلت، بل لأنها فهمت أن النمو بالشكل القديم لم يعد صالحًا. الرسالة الضمنية هنا أقوى من أى بيان رسمى، حتى من يملك المعرفة، إن لم يُغيّر بنيته، سيتراجع.

لكن القصة أوسع من الاستشارات. فى الإعلام، تختفى وظائف كاملة كانت تُعدّ أساسية، محررو الأخبار الأولية، فرق التفريغ، باحثو الأرشيف. فى المحاسبة والقانون، تتقلص أدوار التحليل الروتينى والمراجعة التقليدية. فى التعليم، لم يعد نقل المعرفة هو الوظيفة، بل توجيه الفهم وبناء التفكير النقدى. حتى فى الطب، بدأت الخوارزميات تنافس فى التشخيص الأولى وقراءة صور الاشعة.

المشترك بين كل هذه القطاعات ليس «الأزمة»، بل إعادة توزيع القيمة. الذكاء الاصطناعى لا يقضى على الإنسان، لكنه يُقصى الإنسان الذى لا يضيف ما لا تستطيع الآلة تقديمه. الوظائف التى تعتمد على التكرار، التنفيذ، أو النقل الحرفى للمعلومة، أصبحت فى مرمى الاستبدال. أما الأدوار التى تقوم على الحكم، والمسؤولية الأخلاقية، والربط بين المعطيات، وفهم البشر والسياقات، فهى التى ستزداد أهمية، لا العكس.

الخطر الحقيقى لا يكمن فى الذكاء الاصطناعى، بل فى الإنكار. إنكار المؤسسات التى تؤجل التغيير خوفًا من الصدمة الاجتماعية، وإنكار الأفراد الذين يراهنون على خبراتهم القديمة باعتبارها «كافية». التاريخ الاقتصادى لا يرحم هذه الفئة. من لم يتعلّم فى الثورة الصناعية خرج من السوق. ومن لم يتقن الرقمنة فى التسعينيات تراجع. واليوم، من لا يعيد تعريف نفسه فى عصر الذكاء الاصطناعى، سيكون خارج المعادلة.

العالم الجديد لا يكافئ الأقدم، ولا الأكبر، ولا حتى الأكثر ذكاء بالمعنى التقليدى. هو يكافئ الأكثر مرونة. القادر على التعلّم السريع، وإعادة التموضع، وتقبّل أن الوظيفة ليست هوية ثابتة، بل دور متغير.

فى هذا السياق، ماكينزى وغيرها من الأسماء الكبيرة ليست قصة عن تسريحات أو إعادة هيكلة، بل مرآة.. مرآة تعكس حقيقة صادمة فى عصر الذكاء الاصطناعى، البقاء ليس للأقوى بل للأقدر على التغيّر.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

البقاء للأذكى البقاء للأذكى



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... إنه عظيم ومبجل

GMT 09:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن

GMT 09:20 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

الحوثي... حكايات إمامية

GMT 08:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

العراق: الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

جولة حرب أخرى؟!

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حرب ومواقف ذات دلالات

GMT 08:14 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

أندي بيرنهام... ثائر بريطاني؟!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - عون يؤكد أن نزع سلاح حزب الله ممكن حال توفر 3 شروط

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:01 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 22:00 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وصفات طبيعية لتنظيف الأثاث المعدني

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة

GMT 14:26 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 18:47 2021 الثلاثاء ,23 شباط / فبراير

عادات خاطئة تفعلها عند شرب الماء تؤدي إلى الموت

GMT 17:17 2019 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

حريق في مبنى الخارجية المصرية

GMT 01:20 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

الفنان تامر حسني يحتفل بـ أحمد عصام بهذه الطريقة

GMT 07:33 2024 الجمعة ,16 شباط / فبراير

مفاجأة بشأن الشرط الجزائي في عقد هالاند
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt