توقيت القاهرة المحلي 01:45:00 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ماذا بقي من أتاتورك؟

  مصر اليوم -

ماذا بقي من أتاتورك

بقلم : عبد اللطيف المناوي

فى العاشر من نوفمبر من كل عام، تتوقف الحياة فى تركيا عند التاسعة وخمس دقائق صباحًا. تقف السيارات فى الشوارع، يصمت الناس فى المكاتب والمدارس، ويغدو الصمت لحظة إجلال لزعيم لا يزال حضوره يثير الجدل بعد سبعة وثمانين عامًا على رحيله. مصطفى كمال أتاتورك لم يكن مجرد قائد عسكرى أسّس جمهورية على أنقاض إمبراطورية منهارة، بل كان مشروعًا لتغيير هوية أمة بأكملها. واليوم، بينما يحيى الأتراك ذكراه بمشاركة الرئيس رجب طيب أردوغان، يبدو السؤال أكثر إلحاحًا من أى وقت مضى: ماذا بقى من إرث أتاتورك فى تركيا القرن الحادى والعشرين؟

حين أعلن أتاتورك قيام الجمهورية عام 1923، كان هدفه إنقاذ ما تبقى من الوطن العثمانى المهزوم وتحويله إلى دولة حديثة تتطلع إلى الغرب. ألغى الخلافة، فصل الدين عن الدولة، استبدل الحروف العربية باللاتينية، ومنح المرأة حق التصويت والمشاركة العامة. كانت تلك الثورة أشبه بعملية جراحية جريئة لإعادة صياغة الشخصية التركية من مجتمع شرقى محافظ إلى أمة علمانية حديثة. كان يرى أن خلاص بلاده يكمن فى العلم والعقل، لا فى الماضى ولا فى الولاءات الدينية أو العرقية.

غير أن هذه الجمهورية التى وُلدت على يديه ظلت منذ ذلك الحين ساحة صراع بين رؤيتين: الأولى جمهورية أتاتورك العلمانية، والثانية تركيا الجديدة التى يسعى أردوغان إلى ترسيخها، إسلامية الهوية، قوية الحضور الإقليمى، لا تخجل من جذورها العثمانية. الشعار الذى رفعه أردوغان «القرن التركى» لم يكن صدفة، فهو أراد أن يكون مكملًا لأتاتورك لا وريثًا له فقط، وأن يقدم نفسه كزعيم يقود تركيا إلى «قرنها الثانى» مثلما قاد أتاتورك القرن الأول.

الأتراك اليوم منقسمون بين من يرى فى أردوغان تهديدًا لإرث الأب المؤسس، ومن يعتبره استمرارًا لتجربته بروح مختلفة. فبينما كان أتاتورك يريد دولة غربية الهوى، يسعى أردوغان إلى جعلها قوة وسطية توازن بين الشرق والغرب. لكن جوهر التناقض بين الرجلين ليس فقط فى اللغة السياسية، بل فى مفهوم الدولة نفسها: أتاتورك أقام دولة مؤسسات فوق الأديان، وأردوغان أعاد للدين حضوره فى السياسة والمجتمع، وفتح المجال أمام الخطاب الدينى كعنصر فى الهوية الوطنية الجديدة.

رغم ذلك، فإن أتاتورك لم يختفِ من الوعى التركى، بل بقى رمزًا للحداثة والانضباط والعقلانية. صورته فى المدارس والإدارات، وتمثاله فى الميادين، واللحظة الصامتة كل عام، كلها دلائل على أن تركيا لم تتخلّ عن مؤسسها، حتى وإن اختلفت مع بعض أفكاره. أما أردوغان، فهو يدرك أن مواجهة الإرث الكمالى بشكل مباشر ستثير مقاومة شعبية، لذلك تبنّى سياسة «الاستيعاب» لا «الإلغاء»: إعادة تفسير إرث أتاتورك بما يخدم مشروعه. فبدلًا من الجمهورية العلمانية المحايدة، يقدم أردوغان «الجمهورية المحافظة» التى لا تنكر أتاتورك، لكنها تعيد تعريفه.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ماذا بقي من أتاتورك ماذا بقي من أتاتورك



GMT 10:50 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تحولات

GMT 10:49 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوعٌ: باب الدموع ومنادب البردوني

GMT 10:48 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

كم تبلغ قوة القانون الدولي؟

GMT 10:47 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين؟

GMT 10:46 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

إيران: 6 سيناريوهات لحرب أخرى؟

GMT 10:45 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

العراق... نظام 2003 وأزمة النخب السياسية

GMT 10:44 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

طعام أهل الجنة

GMT 10:43 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

قضايا شعلتها لا تنطفئ

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:45 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحوت الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:29 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج السرطان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل القائمة للحصول على إطلالة مميزة وأنيقة

GMT 07:09 2024 الأربعاء ,06 آذار/ مارس

كتاب جديد عن بايدن يعترف فيه بأنه يشعر بالتعب

GMT 11:28 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

قمة نارية بين برشلونة ويوفنتوس بـ دوري أبطال أوروبا

GMT 01:25 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

ماسك يعلن دخول سيارة تسلا للعمل بلا سائق

GMT 10:13 2020 الخميس ,09 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 18:23 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

جائزتان لفيلم "أميرة "في مهرجان فينيسيا الـ٧٨
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt