توقيت القاهرة المحلي 21:38:48 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ثمانون عامًا من الحكمة والإنسانية

  مصر اليوم -

ثمانون عامًا من الحكمة والإنسانية

بقلم : عبد اللطيف المناوي

ثمانون عامًا ليست عمر رجلٍ فقط، بل رحلة عالمٍ حمل على كتفيه إرث ألف عام، وأعاد للأزهر حضوره ومهابته، وربط الشرق بالغرب بجسر من الحوار والسلام.

هكذا يمكن أن تُختصر سيرة أحمد الطيب، لا بوصفه شيخًا للأزهر فحسب، بل بوصفه أحد أبرز الوجوه الإنسانية والفكرية فى عالمٍ مضطرب، يبحث عن معنى للعدل، وعن لغة للعقل، وعن صوتٍ للرحمة.

وُلد الإمام الأكبر فى صعيد مصر، فى القرنة بالأقصر، فى بيئة مصرية خالصة، تتجاور فيها البساطة مع العمق، والدين مع التاريخ، والإنسان مع الأرض. حمل الفتى الصعيدى مصحفه، لكنه حمل أيضًا أسئلة الفلسفة. درس العقيدة والمنطق، ثم انفتح على الفكر الإنسانى الحديث، وسافر إلى باريس، تعلّم الفرنسية، واطّلع على المدارس الفلسفية الغربية، لا ليذوب فيها، بل ليحاورها من موقع الواثق بأصوله.

عاد إلى مصر أستاذًا فى العقيدة، لا يكتفى بالتلقين، بل يزرع فى طلابه منهج الوسطية، ويعلّمهم أن الإيمان لا يناقض العقل، وأن الدين لا يخاف من السؤال. لم يكن مجرد معلم، بل مرشدًا روحيًا وعقليًا؛ يُصغى قبل أن يُجيب، ويتواضع وهو يقود.

تدرّج فى المسؤوليات، مفتيًا للديار، ثم رئيسًا لجامعة الأزهر، وصولًا إلى منصب شيخ الأزهر عام ٢٠١٠. لكن المنصب، عند أحمد الطيب، لم يكن يوما سلطة، بل أمانة. لم يتغيّر بالرئاسة، بل ازداد تواضعًا، وبقى ابن قريته. عاد إلى القرنة، جلس بين أهلها، وكان أول من قدّم المثال حين غادر بيته مع شقيقه امتثالًا لقرار الدولة بإخلاء القرية لحماية آثار مصر. تبعه الناس لا خوفا، بل ثقة. ذلك هو الفارق بين النفوذ القائم على السلطة، والنفوذ القائم على الاحترام.

وعلى المستوى الوطنى، كان الإمام الأكبر سدا منيعًا فى مواجهة محاولات توظيف الدين سياسيًا، ووقف حائط صد أمام طموحات جماعة الإخوان فى مصادرة الأزهر، مدافعًا عن استقلال المؤسسة الدينية الأهم فى العالم الإسلامى، وعن دورها الجامع لا الإقصائى.

أما عالميًا، فكانت لحظة توقيع وثيقة الأخوة الإنسانية مع البابا فرنسيس علامة فارقة، رسالة تقول إن الأديان وُجدت لتقريب البشر لا لتقسيمهم.

ولعل إنسانية الإمام تتجلّى بأوضح صورها فى تفاصيل تبدو صغيرة، لكنها كاشفة، رفض الامتيازات، ورد مكافآت رسمية إلى خزينة الدولة، وعدم قبول الهدايا. وحين نال مع البابا جائزة الشيخ زايد، تبرع البابا بقيمتها لمسلمى الروهينجا، وتبرّع الإمام بجزء لعلاج أطفال الصعيد، دون تمييز بين مسلم ومسيحى، وبالجزء الآخر لرعاية الأيتام. هكذا تُفهم الأخوة الإنسانية حين تتحوّل إلى فعل.

ثمانون عامًا لا نحتفى بها كرقم، بل لأنها عمرٌ مشى فيه رجل باحترام، وعلّمنا أن القوة فى الهدوء، وأن العلم بلا رحمة لا ينفع، وأن شيخ الأزهر ليس منصبًا بل مسار عمر.

وفى زمنٍ يبحث فيه العالم عن الحكمة، يقف الإمام الأكبر شاهدًا على أن الاعتدال ليس ضعفًا، وأن الحوار ليس تنازلًا، وأن الإنسان، أيًا كان دينه، يستحق أن يكون فى قلب الرسالة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ثمانون عامًا من الحكمة والإنسانية ثمانون عامًا من الحكمة والإنسانية



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... إنه عظيم ومبجل

GMT 09:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن

GMT 09:20 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

الحوثي... حكايات إمامية

GMT 08:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

العراق: الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

جولة حرب أخرى؟!

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حرب ومواقف ذات دلالات

GMT 08:14 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

أندي بيرنهام... ثائر بريطاني؟!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 09:53 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

توقف مرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 16:18 2023 الإثنين ,18 أيلول / سبتمبر

العراق فاتحاً ذراعيه لأخوته وأشقائه

GMT 07:12 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

هل للطفل مطلق الحرية ؟

GMT 10:17 2024 الإثنين ,30 كانون الأول / ديسمبر

أسماء الأسد ممنوعة من دخول بريطانيا

GMT 08:33 2016 السبت ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

هشام عز العرب يرحب بإلغاء العمولات على تحويلات المصريين

GMT 20:47 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

مؤشرا البحرين يقفلان التعاملات على ارتفاع
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt