توقيت القاهرة المحلي 19:29:01 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أوروبا في عهد ترامب: قوة أم انكماش؟

  مصر اليوم -

أوروبا في عهد ترامب قوة أم انكماش

بقلم : عبد اللطيف المناوي

فى السياسة الدولية، هناك لحظات نادرة تسقط فيها الأقنعة عن الأفكار الكبرى، وتُجبر اللاعبين على مواجهة حقيقتهم بلا مساحيق. أوروبا، بوصفها فكرة قبل أن تكون كيانًا، كانت دائمًا مشروعًا مضادًا لهشاشة التاريخ، قارة تُدار بمنطق القانون لا السلاح، وتُذاب تناقضاتها داخل سوق مشتركة، ومؤسسات عابرة للحدود، وذاكرة جماعية تتعلم من كوارثها.. لكن نهاية عام 2025 تقول شيئًا مختلفًا. أوروبا تُدفع اليوم، مرة أخرى، إلى سؤال القوة، لا القوة بوصفها خطابًا أخلاقيًا أو قيمة معيارية، بل بوصفها قدرة عملية على الردع، والتمويل، وضبط الحدود، وتأمين الطاقة، وحماية طرق التجارة البحرية.

عودة دونالد ترامب إلى الرئاسة الأمريكية سرّعت هذا التحول، لا لأن أوروبا راغبة فى أن تصبح قارة «عسكرية»، بل لأن واشنطن فى عهد ترامب تعلن بوضوح أن زمن «أطلس» الذى يحمل النظام الدولى على كتفيه قد انتهى. فى استراتيجية الأمن القومى الأمريكية الصادرة فى ديسمبر الحالى، تُطرح الرسالة بلا مواربة: تقاسم الأعباء لم يعد أمنية أو دعوة أخلاقية بل معيارًا حاسمًا. الولايات المتحدة تتحدث صراحة عن «التزام لاهاى» الذى يطالب دول حلف الناتو بإنفاق 5٪ من ناتجها المحلى على الدفاع. هذا الرقم ليس تفصيلاً تقنيًا، بل أداة ضغط سياسى هائلة، تضرب مباشرة فى صميم الميزانيات الأوروبية، وتضع دولة الرفاه أمام اختبار قاسٍ، وتهز شرعية حكومات بُنيت تاريخيًا على معادلة الأمن الاجتماعى لا الأمن العسكرى.

هل أوروبا أقوى أم أضعف؟ الإجابة المباشرة، وربما الصادمة، أنها أقوى دفاعيًا، لكنها أضعف سياسيًا.

أوروبا اليوم ليست أوروبا 2018. من يكتفى بمتابعة خطب القادة وتصريحاتهم المترددة قد يظنها قارة حائرة أو مشلولة، لكن من يتتبع مسارات المؤسسات وقراراتها يدرك أنها تتحرك بثقل واضح، خصوصًا فى ملفى الدفاع والطاقة. التحول الدفاعى لم يعد نقاشًا نظريًا أو مشروعًا مؤجلًا، بل صار سياسة فعلية لدول الاتحاد. فى مارس الماضى، قدّمت المفوضية الأوروبية «الكتاب الأبيض للدفاع الأوروبى: الجاهزية 2030» ضمن ما بات يُعرف بـ«خطة إعادة تسليح أوروبا»، ووصفتها صراحة بأنها قفزة استثمارية كبرى فى القدرات. البرلمان الأوروبى بدوره لخّص الفكرة بوضوح أكبر: خطة لتعبئة ما يزيد على 800 مليار يورو عبر أدوات مالية مبتكرة، ومرونة فى قواعد الميزانية، وتسهيلات استثمارية غير مسبوقة. معنى ذلك أن الدفاع لم يعد ملف وزارات سيادية معزولة، بل أصبح ملف اقتصاد كلى، وصناعة ثقيلة، وقدرة تنافس فى عالم تحكمه موازين القوة.

لكن هذا التحول الصلب يضع التماسك السياسى الداخلى تحت ضغط شديد. تحويل الدفاع إلى أولوية قصوى يعنى، بالضرورة، إعادة توزيع الألم داخل المجتمعات الأوروبية: هل ستكون هناك ضرائب أعلى؟ هل سيتراجع الإنفاق الاجتماعى؟ هل تُفتح أبواب ديون مشتركة جديدة؟ وماذا ستدفع الطبقات الوسطى ثمنًا لهذا التحول، وماذا سيجنيه الشرق الأوروبى مقارنة بالجنوب؟

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أوروبا في عهد ترامب قوة أم انكماش أوروبا في عهد ترامب قوة أم انكماش



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل الملابس الرجالية التي يمكن أن يختارها لترافقه

GMT 21:32 2022 السبت ,22 تشرين الأول / أكتوبر

التحقيق في سرقة قطع أثرية من متحف كلية آثار جامعة سوهاج

GMT 07:54 2020 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

أسعار الدواجن في مصر اليوم الخميس 05 تشرين الثاني /أكتوبر 2020

GMT 06:16 2025 الثلاثاء ,15 تموز / يوليو

ديكورات "مودرن" وعمليّة في غرف الجلوس

GMT 02:33 2018 الثلاثاء ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

عائشة بن أحمد تكشّف عن اشتراكها مع تامر حسني في فيلمه

GMT 00:28 2017 الإثنين ,16 تشرين الأول / أكتوبر

الملك سلمان يؤكد دعمه لاستراتيجية أميركا الحازمة ضد إيران

GMT 18:29 2017 الأربعاء ,11 كانون الثاني / يناير

الفنانة أحلام تشيد بمصممة الأزياء فرح البابطين
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt