توقيت القاهرة المحلي 22:39:23 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أوروبا في عهد ترامب: قوة أم انكماش؟

  مصر اليوم -

أوروبا في عهد ترامب قوة أم انكماش

بقلم : عبد اللطيف المناوي

فى السياسة الدولية، هناك لحظات نادرة تسقط فيها الأقنعة عن الأفكار الكبرى، وتُجبر اللاعبين على مواجهة حقيقتهم بلا مساحيق. أوروبا، بوصفها فكرة قبل أن تكون كيانًا، كانت دائمًا مشروعًا مضادًا لهشاشة التاريخ، قارة تُدار بمنطق القانون لا السلاح، وتُذاب تناقضاتها داخل سوق مشتركة، ومؤسسات عابرة للحدود، وذاكرة جماعية تتعلم من كوارثها.. لكن نهاية عام 2025 تقول شيئًا مختلفًا. أوروبا تُدفع اليوم، مرة أخرى، إلى سؤال القوة، لا القوة بوصفها خطابًا أخلاقيًا أو قيمة معيارية، بل بوصفها قدرة عملية على الردع، والتمويل، وضبط الحدود، وتأمين الطاقة، وحماية طرق التجارة البحرية.

عودة دونالد ترامب إلى الرئاسة الأمريكية سرّعت هذا التحول، لا لأن أوروبا راغبة فى أن تصبح قارة «عسكرية»، بل لأن واشنطن فى عهد ترامب تعلن بوضوح أن زمن «أطلس» الذى يحمل النظام الدولى على كتفيه قد انتهى. فى استراتيجية الأمن القومى الأمريكية الصادرة فى ديسمبر الحالى، تُطرح الرسالة بلا مواربة: تقاسم الأعباء لم يعد أمنية أو دعوة أخلاقية بل معيارًا حاسمًا. الولايات المتحدة تتحدث صراحة عن «التزام لاهاى» الذى يطالب دول حلف الناتو بإنفاق 5٪ من ناتجها المحلى على الدفاع. هذا الرقم ليس تفصيلاً تقنيًا، بل أداة ضغط سياسى هائلة، تضرب مباشرة فى صميم الميزانيات الأوروبية، وتضع دولة الرفاه أمام اختبار قاسٍ، وتهز شرعية حكومات بُنيت تاريخيًا على معادلة الأمن الاجتماعى لا الأمن العسكرى.

هل أوروبا أقوى أم أضعف؟ الإجابة المباشرة، وربما الصادمة، أنها أقوى دفاعيًا، لكنها أضعف سياسيًا.

أوروبا اليوم ليست أوروبا 2018. من يكتفى بمتابعة خطب القادة وتصريحاتهم المترددة قد يظنها قارة حائرة أو مشلولة، لكن من يتتبع مسارات المؤسسات وقراراتها يدرك أنها تتحرك بثقل واضح، خصوصًا فى ملفى الدفاع والطاقة. التحول الدفاعى لم يعد نقاشًا نظريًا أو مشروعًا مؤجلًا، بل صار سياسة فعلية لدول الاتحاد. فى مارس الماضى، قدّمت المفوضية الأوروبية «الكتاب الأبيض للدفاع الأوروبى: الجاهزية 2030» ضمن ما بات يُعرف بـ«خطة إعادة تسليح أوروبا»، ووصفتها صراحة بأنها قفزة استثمارية كبرى فى القدرات. البرلمان الأوروبى بدوره لخّص الفكرة بوضوح أكبر: خطة لتعبئة ما يزيد على 800 مليار يورو عبر أدوات مالية مبتكرة، ومرونة فى قواعد الميزانية، وتسهيلات استثمارية غير مسبوقة. معنى ذلك أن الدفاع لم يعد ملف وزارات سيادية معزولة، بل أصبح ملف اقتصاد كلى، وصناعة ثقيلة، وقدرة تنافس فى عالم تحكمه موازين القوة.

لكن هذا التحول الصلب يضع التماسك السياسى الداخلى تحت ضغط شديد. تحويل الدفاع إلى أولوية قصوى يعنى، بالضرورة، إعادة توزيع الألم داخل المجتمعات الأوروبية: هل ستكون هناك ضرائب أعلى؟ هل سيتراجع الإنفاق الاجتماعى؟ هل تُفتح أبواب ديون مشتركة جديدة؟ وماذا ستدفع الطبقات الوسطى ثمنًا لهذا التحول، وماذا سيجنيه الشرق الأوروبى مقارنة بالجنوب؟

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أوروبا في عهد ترامب قوة أم انكماش أوروبا في عهد ترامب قوة أم انكماش



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... إنه عظيم ومبجل

GMT 09:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن

GMT 09:20 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

الحوثي... حكايات إمامية

GMT 08:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

العراق: الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

جولة حرب أخرى؟!

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حرب ومواقف ذات دلالات

GMT 08:14 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

أندي بيرنهام... ثائر بريطاني؟!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 09:53 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

توقف مرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 16:18 2023 الإثنين ,18 أيلول / سبتمبر

العراق فاتحاً ذراعيه لأخوته وأشقائه

GMT 07:12 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

هل للطفل مطلق الحرية ؟

GMT 10:17 2024 الإثنين ,30 كانون الأول / ديسمبر

أسماء الأسد ممنوعة من دخول بريطانيا

GMT 08:33 2016 السبت ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

هشام عز العرب يرحب بإلغاء العمولات على تحويلات المصريين

GMT 20:47 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

مؤشرا البحرين يقفلان التعاملات على ارتفاع
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt