توقيت القاهرة المحلي 17:11:00 آخر تحديث
  مصر اليوم -

عندما خسرنا «سراج الدين»

  مصر اليوم -

عندما خسرنا «سراج الدين»

بقلم : عبد اللطيف المناوي

حين يُذكر اسم إسماعيل سراج الدين، فإن الحديث لا يكون عن مسؤول إدارى عابر، بل عن نموذج نادر للمثقف المؤسسى الذى نجح فى تحويل فكرة ثقافية إلى مشروع حضارى حى. الرجل لم يكن فقط أول مدير لمشروع إحياء مكتبة الإسكندرية، بل كان فى جوهره مهندسًا لرؤية، كيف يمكن لمصر أن تستعيد دورها كعقل ثقافى فى المنطقة.

جاء سراج الدين إلى مكتبة الإسكندرية محمّلًا بخبرة دولية عميقة، اكتسبها خلال عمله فى البنك الدولى، حيث لم يكن مجرد تكنوقراط، بل مفكرًا تنمويًا يربط بين المعرفة والاقتصاد والسياسات العامة. هذه الخلفية هى ما جعل مشروع المكتبة اقرب إلى منصة دولية للحوار الثقافى والعلمى. لم تكن مجرد رفوف كتب، بل فضاءً للنقاش، ومركزًا للمؤتمرات، وواجهةً لمصر أمام العالم.

استطاع أن يعيد تعريف معنى المؤسسة الثقافية. استقطب أسماء عالمية، وخلق شبكة علاقات واسعة، وربط المكتبة بملفات معاصرة مثل حوار الحضارات، والعلوم الحديثة، والتنمية المستدامة. كان حضوره، شخصيًا ومؤسسيًا، جزءًا من قوة المشروع. وهنا تحديدًا تكمن القيمة.

بعد أحداث ٢٥ يناير، دخلت مصر مرحلة إعادة تشكيل حادة، لم تقتصر على السياسة، بل طالت النخب والمؤسسات. فى هذا السياق، أصبح كثير من رموز المرحلة السابقة، بغض النظر عن طبيعة أدوارهم، عرضة للمحاسبة التى امتزج فيها القانونى بالسياسى بالشخصى.

تعرض سراج الدين لسلسلة من الاتهامات القانونية المرتبطة بإدارة المكتبة. وبغض النظر عن تفاصيل هذه القضايا، فإن الطريقة التى جرت بها، فى سياق مرحلة مضطربة، أثارت جدلًا واسعًا حول ما إذا كانت المسألة تصفية حسابات مع رموز المرحلة، أم مساءلة موضوعية.

الدول التى تعانى من نقص فى الكفاءات الاستراتيجية، لا تحتمل عادة خسارة شخصيات من هذا الوزن، حتى لو اختلفت معها سياسيًا أو إداريًا. لأن المسألة ليست فى الشخص فقط، بل فى ما يمثله من شبكة معرفة، وخبرة تراكمية، وقدرة على الربط بين المحلى والعالمى.

أما عن موقعه اليوم، فبعيدًا عن الأضواء الصاخبة، عاد إلى مساحته الطبيعية كمفكر عالمى أكثر منه مسؤولًا تنفيذيًا محليًا. التقيته مؤخراً وشاهدت تقدير الرؤساء وكبار المسؤولين والعلماء من مختلف دول العالم له.

غياب سراج الدين لم يكن مجرد خروج شخص، بل فقدان نمط من التفكير، النمط الذى يرى فى الثقافة قوة استراتيجية، وفى المعرفة أداة نفوذ، وفى المؤسسة منصة تأثير عالمى. هذا النمط لم يُستبدل حتى الآن بشكل مقنع.

يمكن لأى مؤسسة أن تجد مديرًا. لكن ليس من السهل أن تجد شخصية تجمع بين الشرعية الدولية، والقدرة على الإدارة، والرؤية الفكرية، والعلاقات العابرة للحدود. هذه تركيبة نادرة، وحين تغيب، يظهر الفراغ، حتى لو لم يُعترف به صراحة.

قد يختلف الناس حول تقييم تجربته، لكن ما يصعب إنكاره هو أنه كان أحد آخر النماذج فى مصر التى حاولت أن تبنى مشروعًا ثقافيًا بحجم عالمى، وأن خسارة هذا النموذج، بأى شكل، هى خسارة تتجاوز شخصه.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عندما خسرنا «سراج الدين» عندما خسرنا «سراج الدين»



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... إنه عظيم ومبجل

GMT 09:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن

GMT 09:20 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

الحوثي... حكايات إمامية

GMT 08:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

العراق: الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

جولة حرب أخرى؟!

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حرب ومواقف ذات دلالات

GMT 08:14 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

أندي بيرنهام... ثائر بريطاني؟!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - عون يؤكد أن نزع سلاح حزب الله ممكن حال توفر 3 شروط

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:01 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 22:00 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وصفات طبيعية لتنظيف الأثاث المعدني

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة

GMT 14:26 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 18:47 2021 الثلاثاء ,23 شباط / فبراير

عادات خاطئة تفعلها عند شرب الماء تؤدي إلى الموت

GMT 17:17 2019 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

حريق في مبنى الخارجية المصرية

GMT 01:20 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

الفنان تامر حسني يحتفل بـ أحمد عصام بهذه الطريقة

GMT 07:33 2024 الجمعة ,16 شباط / فبراير

مفاجأة بشأن الشرط الجزائي في عقد هالاند
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt