توقيت القاهرة المحلي 22:42:44 آخر تحديث
  مصر اليوم -

حين يتحول النصر إلى عبء

  مصر اليوم -

حين يتحول النصر إلى عبء

بقلم : عبد اللطيف المناوي

فى لحظات التحول الكبرى فى التاريخ، لا تكون الهزيمة دائمًا هى الخطر الحقيقى على الإمبراطوريات، بل أحيانًا يكون النصر نفسه هو بداية التراجع. هذا المعنى أعاد طرحه بوضوح الكاتب البريطانى لارى إليوت، فى مقاله بصحيفة «الجارديان»، حين شبّه الحرب الجارية مع إيران بإحدى أكثر اللحظات دلالة فى التاريخ البريطانى «حرب البوير»، بوصفها نموذجًا لـ«النصر الأجوف» الذى يكلّف أكثر مما يمنح.

حرب البوير (١٨٩٩– ١٩٠٢) اندلعت بين الإمبراطورية البريطانية ومستوطنى البوير فى جنوب أفريقيا. فى بدايتها، بدت الحرب محسومة سلفًا ولن تستغرق سوى أسابيع. لكنها تحولت إلى استنزاف طويل، اعتمد فيه البوير على تكتيكات حرب العصابات، ما أربك الجيش البريطانى وأجبره على نشر قوات ضخمة، واستخدام سياسات قاسية مثل معسكرات الاعتقال للمدنيين، الأمر الذى أثار موجة انتقادات أخلاقية دولية. انتهت الحرب بانتصار بريطانيا، لكنها خرجت منهكة، وقد تضررت صورتها العالمية، وبدأت تتكشف حدود قدرتها على فرض إرادتها، فى لحظة تاريخية كانت تشهد صعود قوى جديدة كأمريكا وألمانيا.

المواجهة مع إيران، التى كان يُفترض أن تكون سريعة وحاسمة بفعل التفوق العسكرى الأمريكى والإسرائيلى، تحمل مؤشرات على أنها تتحول إلى صراع أطول وأكثر تعقيدًا. إيران لا تواجه القوة بالقوة التقليدية، بل بمنطق الاستنزاف، وتوسيع نطاق التوتر إقليميًا. وهى بذلك ترفع كلفة الحرب إلى حد يجعل «النصر» عبئًا.

ساحة المعركة لم تعد عسكرية فقط، بل اقتصادية. فتعطّل حركة الملاحة فى مضيق هرمز، وارتفاع أسعار النفط والغاز، لا يمثلان مجرد آثار جانبية، بل أدوات ضغط استراتيجية. التاريخ الاقتصادى يوضح أن كل صدمة كبيرة فى أسعار الطاقة تبدأ بتضخم، ثم تنتهى بركود. وهذا ما حدث بعد حرب أكتوبر ١٩٧٣، حين أدى ارتفاع أسعار النفط إلى إنهاء حقبة الازدهار الاقتصادى الطويل.

قد تحقق أمريكا أهدافها العملياتية، وقد تثبت تفوقها العسكرى، لكن إذا جاء ذلك على حساب اضطراب اقتصادى عالمى، وضغوط داخلية متزايدة، وتآكل فى صورتها كقوة قادرة على الحسم السريع، فإن النتيجة تقترب كثيرًا من نموذج «النصر الأجوف». وهو نصر لا يُقاس بنتائج المعركة، بل بما يتركه من آثار على مكانة الدولة فى النظام الدولى.

المفاضلة الآن إما إنهاء الحرب سريعًا مع قبول واقع سياسى غير مكتمل، أو الاستمرار فى صراع قد يتحول إلى استنزاف طويل. كلا الخيارين يحمل كلفة، لكن الثانى يفتح الباب أمام سيناريو تاريخى مألوف، انتصار عسكرى يكشف حدود القوة بدل أن يؤكدها.

الإمبراطوريات لا تسقط فجأة، بل تبدأ بالتآكل حين تتحول قدرتها على الانتصار إلى عبء. والسؤال الذى يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على كسب الحرب، بل ما إذا كان هذا الكسب، إن تحقق، سيعزز مكانتها، أم سيكون، كما كانت حرب البوير لبريطانيا، بداية كشف حدودها.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حين يتحول النصر إلى عبء حين يتحول النصر إلى عبء



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt