بقلم: عبد اللطيف المناوي
تكشف احتجاجات طرابلس ومدن غرب ليبيا عن مأزق أعمق من تراجع الخدمات. فالشارع لا يعترض فقط على حكومة الدبيبة، بل على طريقة إدارة المرحلة كلها، وعلى محاولات إنتاج تسويات جديدة تحتفظ بالقوى نفسها، ولو أعادت توزيع المواقع بينها.
فى الخلفية، تتحرك مشروعات دولية وإقليمية لإعادة ترتيب السلطة. ومن بين الأفكار المتداولة صيغة تبقى الدبيبة رئيسًا للحكومة، وتمنح صدام حفتر موقعًا مركزيًا فى إدارة المرحلة المقبلة. قد تبدو هذه الصيغة للخارج تسوية عملية بين معسكرى الشرق والغرب، خصوصا إذا ساعدت على توحيد المؤسسات وزيادة إنتاج النفط. لكنها قد تبدو لليبيين صفقة بين العائلات النافذة لإعادة توزيع السلطة، لا لتسليمها إلى الناخبين.
المجتمع الدولى يبحث عن الاستقرار من خلال التفاهم مع القوى التى تملك المال والسلاح والأرض، بينما يرى جزء متزايد من الليبيين أن هذه القوى نفسها هى التى تعطل الانتخابات وتستفيد من استمرار المرحلة الانتقالية.
لم يكن اغتيال سيف الإسلام القذافى سببا مباشرا للاحتجاجات الحالية، لكنه أصبح جزءا من مناخ أوسع من الشك وانعدام الثقة.
كان سيف الإسلام يمثل كتلة سياسية واجتماعية لا يمكن تجاهلها، ومرشح محتمل قادر على إرباك ترتيبات القوى المسيطرة. لذلك عزز اغتياله، ثم غموض التحقيق، الاعتقاد بأن العملية السياسية الليبية لا تزال تُدار بمنطق إبعاد المنافسين، لا الاحتكام إلى صناديق الاقتراع.
لكن سيكون من المبكر وصف ما يجرى بأنه انتفاضة ليبية شاملة. مركز الثقل ما زال فى طرابلس وغرب البلاد، ولم تظهر حتى الآن حركة متزامنة بالقوة نفسها فى بنغازى ومدن الشرق والجنوب. كما لا توجد قيادة وطنية موحدة.
وهذه نقطة ضعف أساسية، فإسقاط المؤسسات من دون بديل متفق عليه قد يعيد إنتاج الفراغ نفسه الذى غذى الانقسام طوال خمسة عشر عامًا. كما أن البيئة المسلحة المحيطة بالاحتجاجات تجعلها عرضة للاختراق أو التوظيف فى صراعات النفوذ.
الخطر الأكبر أن تتدخل جماعة مسلحة لفض التحركات، أو أن يحاول أحد أطراف الصراع استغلال الشارع لتصفية حساباته مع الدبيبة. عندها قد يتحول العصيان المدنى إلى مواجهة أمنية، ويفقد المحتجون استقلالهم، وتصبح مطالبهم ورقة فى صراع القوى المسلحة.
أمام ليبيا الآن ثلاثة احتمالات. الأول أن تنجح الحكومة فى امتصاص الغضب بتحسين الكهرباء وتقديم بعض الوعود والتغييرات المحدودة. والثانى أن تتسع الاحتجاجات وتفرض إعادة تشكيل السلطة من دون أن تنهى المنظومة القائمة. أما الثالث فهو دخول التشكيلات المسلحة على خط المواجهة وانزلاق العاصمة مجددا إلى العنف.
ما يحدث ليس ثورة مكتملة، لكنه أكثر من أزمة كهرباء. إنه إنذار بأن الصيغة التى حكمت ليبيا طوال السنوات الماضية تقترب من استنفاد قدرتها على البقاء. الكهرباء أشعلت الاحتجاج، لكن الوقود الحقيقى هو شعور الليبيين بأن الانقسام تحول إلى وسيلة لحماية النخب، وأن التسويات التى تُصاغ باسم الاستقرار قد لا تكون سوى إعادة ترتيب للمقاعد بين القوى نفسها.