توقيت القاهرة المحلي 23:37:06 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الخلل أعمق من خسارة مباراة

  مصر اليوم -

الخلل أعمق من خسارة مباراة

بقلم : عبد اللطيف المناوي

فى أعقاب الهزيمة الأخيرة لمنتخب مصر أمام السنغال، لا تبدو كرة القدم وحدها فى قفص الاتهام. صحيح أن الخسارة جاءت موجعة، ومتكررة أمام الخصم ذاته، لكن الأخطر من النتيجة هو ما كشفته مجددًا، خللٌ أعمق فى المنظومة، يتجاوز المستطيل الأخضر، ويتقاطع مع نمط عام من الأعطاب الإدارية والفكرية التى تطول قطاعات واسعة فى المجتمع المصرى.

الهزيمة تحولت سريعًا من نقاش فنى إلى سيل من التبريرات، تحكيم منحاز، VAR غائب، مؤامرة مُعدّة سلفًا. لا يمكن استبعاد الأخطاء التحكيمية فى كرة القدم، لكن المشكلة تبدأ حين تصبح هذه التفسيرات «مخدرًا جماعيًا» يريحنا من مواجهة الأسئلة الأصعب. هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ«شماعات الفشل»؛ تلك الآلية النفسية والاجتماعية التى تُعلّق عليها الإخفاقات بدل تفكيك أسبابها الحقيقية. كرة القدم فى مصر ليست لعبة فقط، بل مرآة للوجدان العام. هى مساحة إسقاط للغضب والإحباط والأمل المكبوت. لذلك، حين يخسر المنتخب، لا يغضب الجمهور من نتيجة مباراة بقدر ما يثور شعوره بأن شيئًا ما لا يعمل كما ينبغى، وأن المنظومة كلها تدار بالمنطق ذاته، حلول مؤقتة، إدارة ارتجالية، غياب رؤية طويلة المدى، والاعتماد على رد الفعل لا الفعل. فى كرة القدم، كما فى التعليم والصحة والإعلام والإدارة المحلية، تتكرر الأعراض نفسها، تغيّر السياسات بتغيّر الأشخاص، لا بقاء لاستراتيجية، ولا محاسبة مؤسسية حقيقية. فى المنتخب، نغير المدرب، نبدل الجهاز، نُحمّل جيلًا كاملًا المسؤولية، ثم نعيد الدورة من جديد. وفى المجتمع، نفعل الشىء ذاته، نلوم الأفراد بدل النظم، والظروف بدل القرارات.

اللافت أن كرة القدم، بحكم تأثيرها العاطفى، تكشف هذا الخلل بوضوح أكبر. فالعلماء يؤكدون أن اللعبة تؤثر فى المزاج الجمعى، وأنها قادرة على رفع المعنويات أو تعميق الإحباط. فى لحظة اقتصادية ضاغطة، تصبح الهزيمة الكروية امتدادًا نفسيًا لشعور عام بالتراجع، لا سببه الكرة وحدها، بل الإحساس بفقدان السيطرة والاتجاه.


الإعلام الرياضى يتحمل جزءًا من المسؤولية. كثير منه يفضل الإثارة على التحليل، والصوت العالى على العقل. فيتحول النقاش من مراجعة هادئة إلى صراخ، ومن نقد منظومة إلى تصفية حسابات. والجمهور، المحاصر بضغوط يومية، يجد فى هذا الخطاب متنفسًا، لكنه متنفس لا ينتج إصلاحًا، بل يرسخ الإحباط.

المشكلة إذن ليست فى خسارة أمام السنغال، ولا فى حَكم مباراة، ولا حتى فى اتحاد كرة.. المشكلة فى نمط إدارة عام، يرى الإنجاز حدثًا عابرًا، والفشل مؤامرة، ولا يرى فى التخطيط طويل المدى استثمارًا ضروريًا. كرة القدم، لأنها الأكثر شعبية، تدفع ثمن هذا النمط علنا، بينما تعانى بقية القطاعات فى صمت أقل صخبا.

السؤال الحقيقى ليس: لماذا خسرنا؟ بل: لماذا نكرر الأخطاء ذاتها؟ ولماذا نفضّل الشماعات على المرآة؟ الإصلاح فى كرة القدم لن ينجح ما لم يكن جزءًا من إصلاح أوسع فى العقل الإدارى، فى فكرة العمل المؤسسى، وفى احترام التخصص والمعرفة والبيانات. الهزيمة قد تكون لحظة كاشفة، لا نهاية الطريق. الخسارة ليست عارًا، التكرار هو العار الحقيقى.


 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الخلل أعمق من خسارة مباراة الخلل أعمق من خسارة مباراة



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt