توقيت القاهرة المحلي 14:06:17 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«العناد المصرى الجميل»

  مصر اليوم -

«العناد المصرى الجميل»

بقلم : عبد اللطيف المناوي

فى مصر يتحرك الناس دائمًا وفق شبكة معقدة من العاطفة والذاكرة والانتماء والخبرة الشعبية. لذلك تبدو مصر أحيانًا عصية على التوقع. قد يراهاالبعض بطيئة، مثقلة، متعبة، ثم تفاجئهم فى لحظة بأنها قادرة على إنتاج مشهد لا يشبه مقدماته. وهذا ما يجعل السؤال مفتوحًا: كيف تفعلينها؟.

فى الرياضة يظهر هذا بوضوح. كرة القدم فى مصر ليست مجرد لعبة، بل مساحة نفسية كبرى. عندما يفوز المنتخب، لا يفرح الناس لأن فريقًا سجل هدفًا فقط، بل لأنهم يبحثون فى هذا الفوز عن صورة مصغرة لقدرتهم على التغلب. الانتصار الرياضى يصبح تعويضًا رمزيًا، واحتفالًا جماعيًا، وتذكيرًا بأن الفرح ما زال ممكنًا. لذلك تبدو الاحتفالات أحيانًا مبالغًا فيها لمن لا يفهم ما تمثله كرة القدم فى وجدان المصريين. لكنها ليست مبالغة بقدر ما هى تفريغ انفعالى، واستعادة مؤقتة للثقة، ولحظة توافق نادرة بين الناس حول شعور واحد.

وعندما ارتبطت أغنية «يا مصر بتعمليها إزاى؟» بمشاهد المنتخب، لم يكن الأمر مجرد استخدام ناجح لمقطع موسيقى على مواقع التواصل. كان هناك توافق بين الكلمات والحالة. الناس لم تكن تحتفل بالأغنية فقط، بل كانت تستخدمها لتفسير شعورها. كأنها تقول، نحن لا نفهم دائمًا كيف ننجو، لكننا ننجو. لا نعرف دائمًا كيف نصل، لكننا نصل. لا نملك كل أدوات القوة، لكننا نملك شيئًا لا يزال حيًا فى الداخل.

هذا الشىء هو ما يمكن أن نسميه «العناد المصرى الجميل». ليس العناد السلبى الذى يرفض التغيير، بل العناد الذى يمنع الانكسار. العناد الذى يجعل الأم تدبر بيتها رغم ضيق الحال. والعامل يكمل يومه رغم التعب. والطالب يحلم رغم الازدحام. والمبدع يبتكر من لا شىء. واللاعب يقاتل حتى الدقيقة الأخيرة. والمجتمع، بكل تناقضاته، يواصل الحياة وكأنه يرفض أن يمنح الصعوبات حق الانتصار الكامل.

ولعل قوة عبارة «يا مصر بتعمليها إزاى؟» أنها تحمل فى داخلها مزيجا من الحيرة والحب. ليست جملة مديح تقليدية، وليست خطابًا رسميًا عن الوطن. هى أقرب إلى حديث شخصى بين إنسان وبلده. فيها عتاب خفيف، ودهشة، وفخر، وامتنان. كأن المصرى يخاطب مصر لا كخريطة ولا كدولة فقط، بل كأم وصديقة وذاكرة وملجأ. يسألها وهو يعرف أنه جزء من الإجابة. لأن مصر لا «تعملها» وحدها بمعزل عن ناسها، هى تفعل ذلك بهم، ومن خلالهم، وبفضل ما تراكم فيهم من قدرة على الاحتمال والمناورة والضحك والعمل.

لكن الأمل هنا لا يجب أن يتحول إلى مخدر. الإعجاب بهذه القدرة المصرية على المفاجأة لا يعنى أن نكتفى بها أو نعيش عليها وحدها. فالشعوب لا تستطيع أن تبنى مستقبلها بالمعجزة المتكررة فقط. صحيح أن الشخصية المصرية تملك طاقة صمود استثنائية، لكن هذه الطاقة تحتاج إلى إدارة، ومؤسسات، وتعليم، وعدالة، وفرص، ومساحات أمل حقيقية. المعجزة الشعبية وحدها لا تكفى، لكنها تمنحنا نقطة بداية مهمة، أن هناك رصيدًا نفسيًا وإنسانيًا عميقًا يمكن البناء عليه.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«العناد المصرى الجميل» «العناد المصرى الجميل»



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... إنه عظيم ومبجل

GMT 09:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن

GMT 09:20 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

الحوثي... حكايات إمامية

GMT 08:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

العراق: الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

جولة حرب أخرى؟!

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حرب ومواقف ذات دلالات

GMT 08:14 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

أندي بيرنهام... ثائر بريطاني؟!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - عون يؤكد أن نزع سلاح حزب الله ممكن حال توفر 3 شروط

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:01 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 22:00 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وصفات طبيعية لتنظيف الأثاث المعدني

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة

GMT 14:26 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 18:47 2021 الثلاثاء ,23 شباط / فبراير

عادات خاطئة تفعلها عند شرب الماء تؤدي إلى الموت

GMT 17:17 2019 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

حريق في مبنى الخارجية المصرية

GMT 01:20 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

الفنان تامر حسني يحتفل بـ أحمد عصام بهذه الطريقة

GMT 07:33 2024 الجمعة ,16 شباط / فبراير

مفاجأة بشأن الشرط الجزائي في عقد هالاند
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt