توقيت القاهرة المحلي 06:33:17 آخر تحديث
  مصر اليوم -

سويا المنقسمة.. ساحة للصراع (2-4)

  مصر اليوم -

سويا المنقسمة ساحة للصراع 24

بقلم : عبد اللطيف المناوي

يعود التنوع الدينى والمذهبى والعرقى فى سوريا إلى جذور تاريخية عميقة. كانت أرض سوريا عبر العصور معبرًا ومقرًا لحضارات وشعوب متعددة؛ فانتشرت فيها الديانات السماوية مبكرًا، واحتضنت مهد المسيحية الأولى، ودخلها الإسلام فى القرن السابع الميلادى لينتشر بين غالبية سكانها مع بقاء طوائف مسيحية أصيلة.

كما ظهرت خلال العصرين الأموى والعباسى حركات مذهبية كالعلوية والإسماعيلية فى جبال الساحل السورى، ونمت الطائفة الدرزية، وغيرها. ولطالما وُصف المجتمع السورى بأنه «فسيفساء» غنى بالأعراق والطوائف، هذا التنوع استغلّه البعض سياسيًا وأصبح ميدانًا للاستقطاب بدلًا من أن يكون عامل وحدة.

فى التاريخ الحديث، لم تنجح الحكومات المتعاقبة فى جعل هذا التعدد رافعة لبناء هوية وطنية متماسكة؛ بل اعتمدت غالبًا سياسات إقصائية اختزلت مفهوم الهوية السورية فى بعد واحد (كالعروبة والإسلام). وهكذا تحوّل التنوع إلى مكمن ضعف تستغله الأطراف المختلفة. فعلى سبيل المثال، انتهج الانتداب الفرنسى صراحة سياسة تقسيم السوريين على أسس طائفية كما أسلفنا، مما زرع بذور الشك بين المكونات وساهم فى إضعاف الشعور الوطنى الجامع. وفى عهد الاستقلال ثم الوحدة مع مصر، أدت هيمنة الهوية العربية-الإسلامية الرسمية إلى شعور الأقليات بالتهميش الثقافى، وساعدت لاحقًا فى اندفاع الكثير منهم لتأييد انقلاب البعث الذى وعد بالمساواة.

خلال حكم البعث وبخاصة فى عهد الأسدين، جرى توظيف التنوع كسلاح سياسى بيد السلطة: أتقن النظام اللعب على ورقة الخوف الطائفى، فصوّر نفسه حاميًا للأقليات من تطرف الأكثرية، وحاميًا للأكثرية من خطر التقسيم إذا ضعفت الدولة.

شاع وقتها نوع من المحاصصة غير المعلنة فى المؤسسات، فالجيش وأجهزة الأمن يقودها غالبًا ضباط علويون، بينما ظهرت شخصيات سنّية فى الواجهة الحكومية والدبلوماسية لإبقاء التوازن الشكلى. هذه السياسة عززت الاستقرار السطحى لعقود – فالنظام منع أى اقتتال طائفى داخلى بقوة القبضة الأمنية – لكنها فى الوقت نفسه عمّقت الشروخ المجتمعية وراكمت الاحتقان تحت السطح.

انعكس تأثير التنوع أيضًا فى النزاعات الداخلية التى شهدتها سوريا. ومنها تمرد الإخوان المسلمين (١٩٧٦-١٩٨٢)، ورغم أن ذلك الصراع لم يتحول إلى حرب أهلية شاملة، لكنه خلّف ذاكرة مثخنة بالجراح لدى السنّة والعلويين على السواء، ومهّد لانعدام الثقة بينهما حتى انفجر الوضع مجددًا بعد عقود وتحديدًا فى ٢٠١١ مع بداية الحرب فى سوريا.

من جهة أخرى، عانى الأكراد أيضًا من التمييز القومى ما أدى لاحتجاجاتهم وظهور حركات كردية سرية معارضة منذ الستينيات. ومع أن التوتر العربى الكردى لم يصل لمواجهة مسلحة واسعة قبل ٢٠١١، إلا أن السياسات الرسمية (مثل مشروع الحزام العربى لتعريب مناطقهم فى الجزيرة، ومنع اللغة الكردية) أبقت شعورًا بالظلم لدى الكرد كمجموعة إثنية. ويمكن القول إن غياب معالجات عادلة لهذه الإشكالات جعل النسيج الوطنى هشًا فى مواجهة الأزمات.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

سويا المنقسمة ساحة للصراع 24 سويا المنقسمة ساحة للصراع 24



GMT 06:23 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

شرقٌ لا شرقَ بعده

GMT 06:21 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

عون في البيت الأبيض: زيارة الطلاق مع إيران

GMT 06:18 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

عندما لا يكون لديك غير سلاحٍ واحد!

GMT 06:15 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

هل باحَ عراقجي بالأسرار؟!

GMT 06:10 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

إيران... مشكلة معيشية على آخر نَفَس!

GMT 06:07 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

انحسار مياه النيل يعيد جدل سد النهضة

GMT 06:03 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

«اعترافات جنبلاط» ودروسٌ من التاريخ

GMT 06:00 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

مسلة فرعونية في باريس!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 09:53 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

توقف مرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 16:18 2023 الإثنين ,18 أيلول / سبتمبر

العراق فاتحاً ذراعيه لأخوته وأشقائه

GMT 07:12 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

هل للطفل مطلق الحرية ؟

GMT 10:17 2024 الإثنين ,30 كانون الأول / ديسمبر

أسماء الأسد ممنوعة من دخول بريطانيا

GMT 08:33 2016 السبت ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

هشام عز العرب يرحب بإلغاء العمولات على تحويلات المصريين

GMT 20:47 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

مؤشرا البحرين يقفلان التعاملات على ارتفاع
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt