بقلم: عبد اللطيف المناوي
فى السياسة، يبدو اتخاذ القرار الصعب علامة قوة، أما التراجع عنه فيُقدَّم غالباً باعتباره هزيمة أو اعترافاً بالعجز. لذلك يتمسك بعض القادة بمواقف فقدت صلاحيتها، لا اقتناعاً بها، بل خوفاً من الصورة التى قد يتركها الرجوع عنها. وهكذا يتحول القرار من وسيلة لتحقيق هدف إلى عبء يجب الدفاع عنه مهما ارتفعت تكلفته. لكن السياسة ليست امتحانا فى العناد، هى إدارة متغيرة للواقع، والواقع لا يلتزم دائماً بما توقعه صانع القرار. قد تتبدل المعلومات، أو تتغير موازين القوى، أو تظهر آثار لم تكن محسوبة. وفى هذه اللحظة لا تكون الشجاعة فى الاستمرار، بل فى الاعتراف بأن الطريق لم يعد يؤدى إلى الغاية المطلوبة.
التراجع السياسى المسؤول لا يعنى إنكار القرار السابق أو الهروب من تبعاته. يبدأ بشرح ما تغير، والاعتراف بما لم يكن صحيحًا فى التقدير الأول، ثم تقديم بديل واضح. المواطن يستطيع أن يتفهم تعديل السياسة إذا عرف أسبابه، لكنه يفقد ثقته حين يُطلب منه أن يصدق أن الموقف الجديد كان هو الموقف القديم نفسه.
هناك فارق بين التراجع والنكوص، وبين المراجعة والتقلب. السياسى الذى يبدل موقفه مع كل تغير فى المزاج العام وينكر ما قاله بالأمس لا يمارس شجاعة المراجعة، بل انتهازية البقاء. أما من يغيّر قراره بناءً على معلومات جديدة، ويتحمل نصيبه من المسؤولية، ويشرح طريقه البديل، فإنه يحمى الدولة من تكلفة أكبر.
أحد أخطر الأفخاخ هو ما يسمى «منطق التكلفة الغارقة»، لقد أنفقنا كثيراً وضحينا كثيراً، ولذلك يجب أن نستمر.. لكن ما دُفع لا يعود بالاستمرار فى الخطأ. بل قد تصبح التضحيات السابقة ذريعة لتضحيات جديدة، حتى يغدو التراجع أكثر إيلاماً كلما تأخر. الحكمة هنا أن نسأل: لو لم نكن قد بدأنا هذا الطريق، فهل كنا سنختاره الآن؟
ولا تقع المسؤولية على السياسى وحده. فالمجتمع والإعلام والمعارضة أحيانًا يعاقبون من يعترف بخطئه أكثر مما يعاقبون من يخفيه. والنتيجة أن يتعلم المسؤول أن المكابرة أقل تكلفة سياسية من الصراحة، وأن الدفاع عن الخطأ أكثر أمانًا من إصلاحه.
المؤسسات الناضجة لا تترك التراجع رهين شجاعة فردية. تضع آليات لمراجعة السياسات، ومواعيد لتقييم النتائج، ومؤشرات تسمح بتعديل المسار قبل تحول الخطأ إلى كارثة.
التراجع الناجح يحتاج أيضاً إلى حفظ كرامة الأطراف. ففى المفاوضات والصراعات لا يكفى أن تعرف متى تتراجع، يجب أن تعرف كيف تمنح خصمك مخرجاً، وكيف تقدم لجمهورك التحول باعتباره حماية للمصلحة لا استسلاما للضغط. كثير من الأزمات تستمر لأن الجميع يعرف ضرورة التراجع، لكن لا أحد يجد صيغة تحفظ ماء الوجه.
القوة الحقيقية ليست فى ألا تتراجع أبداً، بل فى ألا تجعل كبرياءك أثقل من مصلحة الدولة. القائد الضعيف يخشى أن يقول أخطأت. أما القائد الواثق فيدرك أن الاعتراف بالخطأ لا يهدم الهيبة، ما يهدمها هو الإصرار عليه بعد أن يصبح واضحاً للجميع.