توقيت القاهرة المحلي 10:23:13 آخر تحديث
  مصر اليوم -

السلطة والثروة

  مصر اليوم -

السلطة والثروة

بقلم : عبد اللطيف المناوي

لم تكن العلاقة بين السلطة والثروة يوماً بسيطة. فمن يتولى الحكم يكتسب بالضرورة نفوذا وشهرةً وشبكة علاقات يمكن تحويلها إلى مال. لكن الديمقراطيات لا تقاس فقط بقدرتها على منع الرشوة المباشرة، بل أيضاً بقدرتها على الفصل بين ما يملكه الحاكم بحكم المنصب وما يملكه بصفته الشخصية. ومن هنا نشأ التقليد الأمريكى الذى تعامل مع الرئاسة باعتبارها خدمة عامة ينبغى ألا تتحول، أثناء شغلها، إلى مشروع تجارى.

كان جورج واشنطن التجسيد الأول لهذا المعنى، تنازل طوعا عن قيادة الجيش بعد الاستقلال، ثم غادر الرئاسة بعد ولايتين، مؤسساً تقليداً يقوم على أن السلطة أمانة مؤقتة وليست ملكية شخصية. وعانى رؤساء مثل توماس جيفرسون وجيمس ماديسون ضغوطاً مالية كبيرة، بينما خرج هارى ترومان من البيت الأبيض فى وضع مالى متواضع إلى حد أسهم فى إقرار معاش للرؤساء السابقين عام ١٩٥٨.

صحيح أن التاريخ الأمريكى لم يكن مثاليا، وأن بعض الرؤساء كانوا أثرياء قبل الرئاسة، أو حققوا أموالاً كبيرة بعدها من الكتب والمحاضرات والاستشارات. لكن الفاصل الأخلاقى ظل واضحا بشكل نسبى، يجوز للرئيس السابق أن يبيع مذكراته، لكن لا ينبغى للرئيس القائم أن يبيع النفوذ أو الشهرة أو إمكان الوصول إليه.

بلغ هذا التقليد ذروته مع جيمى كارتر، الذى وضع أعماله الزراعية فى صندوق ائتمانى مستقل لتجنب مجرد شبهة تضارب المصالح، وانتهى به الأمر إلى تحمل خسائر كبيرة. واتبع رونالد ريجان وجورج بوش الأب وبيل كلينتون وجورج بوش الابن ترتيبات مشابهة، بينما لم يمتلك باراك أوباما وجو بايدن إمبراطوريات تجارية تحتاج إلى الفصل عن الرئاسة. لم يكن القانون دائماً هو الذى يفرض ذلك، بل العرف، على الرئيس أن يبتعد حتى عن مظهر الانتفاع الشخصى.

وهذا العرف نفسه وُلد جزئيا من رفض النموذج البريطانى القديم الذى جسّده روبرت والبول فى القرن الثامن عشر. فقد جمع أول رئيس وزراء بريطانى فعلى بين إدارة الدولة وشبكة واسعة من المحسوبية وإثراء العائلة. كانت المناصب تُمنح للأقارب، والأموال السرية تكافئ الحلفاء، فيما تحوّل قصره إلى معرض للترف. ورأى الثوار الأمريكيون لاحقاً فى هذا النظام مثالاً لما ينبغى على الجمهورية الجديدة منعه من خلال فصل السلطات والرقابة على الحكم.

لكن التجربة الدولية المعاصرة تكشف سهولة تآكل هذه الحدود. فقد دخل سيلفيو برلسكونى السياسة الإيطالية محتفظاً بإمبراطورية إعلامية استفادت من قربها من السلطة. وأثار رئيس الوزراء التشيكى أندريه بابيش أسئلة مماثلة بسبب تكتله الزراعى الضخم، وإن وضعه لاحقاً فى صندوق ائتمانى. أما رئيسة الأرجنتين السابقة كريستينا فرنانديز دى كيرشنر، فقد أُدينت فى قضية توجيه عقود عامة إلى رجل أعمال مقرب.

المشترك بين هذه الحالات ليس الانتماء إلى اليمين أو اليسار، بل تحول الحدود بين الدولة والعائلة والشركة إلى منطقة رمادية. والخطر هنا يتجاوز مقدار المال، عندما يصبح القرب من الحاكم طريقاً إلى الصفقة، لا يعود المواطن قادرا على معرفة ما إذا كان القرار اتُّخذ للمصلحة العامة أم لمصلحة من يملك السلطة.

نستكمل غدا اعتمادا على مقال رأى وتحليل تاريخى لهارولد جيمس وج.سى دو سوان، فى الفايننشال تايمز.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

السلطة والثروة السلطة والثروة



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... إنه عظيم ومبجل

GMT 09:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن

GMT 09:20 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

الحوثي... حكايات إمامية

GMT 08:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

العراق: الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

جولة حرب أخرى؟!

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حرب ومواقف ذات دلالات

GMT 08:14 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

أندي بيرنهام... ثائر بريطاني؟!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - عون يؤكد أن نزع سلاح حزب الله ممكن حال توفر 3 شروط

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:01 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 22:00 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وصفات طبيعية لتنظيف الأثاث المعدني

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة

GMT 14:26 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 18:47 2021 الثلاثاء ,23 شباط / فبراير

عادات خاطئة تفعلها عند شرب الماء تؤدي إلى الموت

GMT 17:17 2019 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

حريق في مبنى الخارجية المصرية

GMT 01:20 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

الفنان تامر حسني يحتفل بـ أحمد عصام بهذه الطريقة

GMT 07:33 2024 الجمعة ,16 شباط / فبراير

مفاجأة بشأن الشرط الجزائي في عقد هالاند
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt