توقيت القاهرة المحلي 05:53:28 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الشفافية ليست ترفاً بل شرط نجاح

  مصر اليوم -

الشفافية ليست ترفاً بل شرط نجاح

بقلم : عبد اللطيف المناوي

قرار الحكومة بإلغاء الإغلاق المبكر يستحق التوقف بقدر ما استحق القرار نفسه النقاش قبل أسابيع. فالدولة التى قررت، تحت ضغط أزمة طاقة حقيقية، تقليص ساعات النشاط لتخفيف الاستهلاك، هى نفسها التى عادت بعد فترة قصيرة لتتراجع. هذا التراجع فى ذاته لا يُعد ضعفًا، بل يمكن اعتباره مؤشرًا إيجابيًا على أن صانع القرار مازال قادرًا على المراجعة والتكيف مع الواقع. فالدولة الرشيدة لا تُقاس فقط بقدرتها على فرض القرار، بل بقدرتها على تصحيحه.

السؤال المهم ليس لماذا تراجعت الحكومة، بل لماذا اتخذت القرار أصلًا بهذه الصورة، وما الذى تغيّر خلال فترة قصيرة ليجعلها تعيد النظر فيه؟ الحكومة قدمت مبررات مفهومة، ارتفاع تكلفة الطاقة، اضطراب الإمدادات، والرغبة فى تجنب موجة جديدة من رفع الأسعار. هذا منطق يصعب الاعتراض عليه. لكن ما لم يُعرض بوضوح هو الحساب الكامل الذى بُنى عليه القرار، كم كان يُفترض أن يوفر الإغلاق المبكر؟ وما حجم الخسائر المقابلة على النشاط الاقتصادى، خاصة فى اقتصاد ليلى يمثل مصدر رزق لقطاعات واسعة؟

ثم جاء التراجع دون شر. لم تُعرض أرقام دقيقة توضح ما إذا كان القرار قد حقق أهدافه أو فشل فيها أو حققها جزئيًا. لم نعرف هل كان الوفر أقل من المتوقع، أم أن الكلفة الاقتصادية والاجتماعية كانت أعلى مما يمكن تحمله. هذا الغموض هو جوهر المشكلة، لأنه يفتح الباب للتأويل بدل الفهم.

المسألة هنا ترتبط بطريقة إدارة العلاقة بين الدولة والمجتمع. الناس لا ترفض القرارات الصعبة إذا فُهمت، لكنها تفقد الثقة حين تُطلب منها التضحيات دون أن ترى الحسابات التى بُنى عليها القرار. الشفافية ليست ترفًا، بل شرطًا لنجاح أى سياسة عامة، لأن القرار غير المفهوم يفقد جزءًا من قدرته على الاستمرار حتى لو كان صحيحًا فى جوهره.

يبقى السؤال الأكثر حساسية: هل يمكن للحكومة أن تعترف بأن التقدير الأولى لم يكن دقيقًا إذا كان هذا هو ما حدث؟ هذا ليس عيبًا، بل دليل نضج. الاعتراف لا يعنى الفشل، بل يعنى أن القرار اتُخذ فى ظروف ضاغطة، وأن البيانات اللاحقة كشفت ما لم يكن واضحًا. المشكلة ليست فى الخطأ، بل فى الإصرار عليه، وليست فى التراجع، بل فى غياب التفسير.

القرارات السريعة قد تكون ضرورية، لكن يجب أن يتبعها شرح واضح للكلفة والعائد. المجتمع لم يعد مجرد متلقٍ، بل طرف يتأثر ويقيّم. لذلك فإن إشراكه فى الفهم أصبح جزءًا من نجاح القرار نفسه. كما أن المرونة فى التراجع تُحسب للدولة، لكنها تصبح أكثر قيمة عندما تكون مصحوبة برواية واضحة تشرح ما حدث ولماذا.

ما حدث يجب أن يتحول إلى درس واضح، كيف تُتخذ القرارات، وكيف تُراجع، وكيف تُشرح. فالدولة القوية ليست تلك التى لا تخطئ، بل تلك التى تُدير الخطأ بشفافية، وتحوّل التجربة إلى معرفة، والقرار إلى سياسة أكثر نضجًا فى المستقبل.

 

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الشفافية ليست ترفاً بل شرط نجاح الشفافية ليست ترفاً بل شرط نجاح



GMT 05:08 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

عصر العوامّ المُتعالِمِين المُقدِمِين

GMT 05:06 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

أعراف الدين وأعراف السياسة

GMT 05:04 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

الدولة تبقى الطرف الأقوى

GMT 05:02 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

إيران... أربعة أوهام حول حرب الستين يوماً

GMT 05:00 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

لبنان والدولة و«الثنائي»

GMT 05:21 2026 الخميس ,30 إبريل / نيسان

كل الدين ونصفه

GMT 05:16 2026 الخميس ,30 إبريل / نيسان

إنه يبرئ إيران

GMT 05:14 2026 الخميس ,30 إبريل / نيسان

ألغاز صينية!

أناقة درة في ربيع 2026 تجمع بين البساطة والراحة

تونس ـ مصر اليوم

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 10:16 2017 الجمعة ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

عندما يزهر الخريف

GMT 08:03 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

مبابي يتقدم على أبرز المهاجمين في السباق نحو الحذاء الذهبي

GMT 21:46 2018 الأربعاء ,31 تشرين الأول / أكتوبر

ساندي تتعرض لإصابة أثناء تصوير مشاهد فيلم "عيش حياتك"

GMT 19:38 2017 الخميس ,05 تشرين الأول / أكتوبر

سعر الجنيه السوداني مقابل الجنية المصري الخميس

GMT 19:14 2016 الخميس ,18 شباط / فبراير

اصابة شريف إكرامي بشد في العضلة الخلفية

GMT 04:21 2017 الثلاثاء ,14 شباط / فبراير

شركة "جاكوار" تقدم السيارة الجديدة "F-PACE" الفارهة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt