توقيت القاهرة المحلي 05:22:55 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«أبى عاد إلى المنزل»

  مصر اليوم -

«أبى عاد إلى المنزل»

بقلم: عبد اللطيف المناوي

فى العادة، يكون التصفيق الطويل فى المهرجانات السينمائية إعلانًا عن الفرح. يقف المخرجون، يبتسمون، يتبادلون العناق، وربما تنزل دموع الانتصار بعد رحلة شاقة لصناعة الفيلم. لكن المشهد الذى أعقب عرض الفيلم الوثائقى «NAZA» فى مهرجان فينيسيا كان مختلفًا. ظل الجمهور واقفًا يصفق قرابة خمس وعشرين دقيقة، فى استقبال وصف بأنه الأطول فى تاريخ المهرجان، وربما فى تاريخ المهرجانات السينمائية الكبرى، بينما وقف مخرجا الفيلم الإسرائيليان يوفال أبراهام وراشيل زور يتلقيان هذا الاحتفاء بوجهين حزينين، شبه جامدين، لا تكاد تظهر عليهما ابتسامة.

ظللت أتأمل وجهيهما. هل كان ذلك حزن الحقيقة التى كشفاها؟ أم الخجل من بلد ينتميان إليه ويروى الفيلم ما ارتكبته مؤسساته؟ أم ثقل المسؤولية بعد أن تحولت شهادات سمعاها فى ظلام تل أبيب إلى وثيقة يشاهدها العالم؟ وربما كان ما رأيناه مزيج إنسانى معقد من هذه المشاعر جميعا.

فهذا ليس فيلمًا يسمح لصانعيه بفرحة الانتصار المعتادة. نجاحه يعنى أن الحكاية وصلت، لكنه يعنى أيضاً أن الحكاية وقعت بالفعل.

العنوان نفسه يلخص فكرته. فكلمة «NAZA» مصطلح عسكرى يستخدمه ضباط الاستخبارات الإسرائيلية للإشارة إلى عدد المدنيين المتوقع مقتلهم فى غارة جوية. هى رقم تقديرى يسبق سقوط القنبلة. أى أن المدنيين، وفق الشهادات التى يعرضها الفيلم، لا يموتون دائما نتيجة خطأ طرأ بعد اتخاذ القرار، قد يكون موتهم محسوبا داخل القرار نفسه. على مدى ثلاث سنوات سجل المخرجان شهادات ٢٤ من ضباط الاستخبارات والجنود الإسرائيليين الذين شاركوا، فى منظومة المراقبة واختيار الأهداف وتنفيذ الضربات فى غزة. أُجريت المقابلات ليلًا فوق أسطح مبانٍ فى تل أبيب، مع إخفاء وجوه المتحدثين وتغيير أصواتهم لحماية هوياتهم.

هذا الاختيار البصرى ليس تفصيل فنى. تل أبيب مضاءة، والمقاهى والحياة مستمرة، بينما تقع غزة على مسافة نحو ستين كيلومتر، غارقة فى الموت والركام. المسافة قصيرة جغرافياً، مسافة بين عالمين لا يرى أحدهما الآخر. لا يعتمد «NAZA» على مشاهد الجثث والدمار، ولا يحاول انتزاع تعاطف سهل من الجمهور. قوته تأتى من البرودة التى تُروى بها التفاصيل، أنظمة مدعومة بالذكاء الاصطناعى لتحديد أعداد كبيرة من الأهداف، اختراق آلاف الهواتف، التنصت على أحاديث الأسر، ثم قصف أشخاص يُشتبه فى انتمائهم إلى حماس داخل بيوتهم ليلًا، مع العلم بوجود الزوجات والأطفال.

ويروى أحد الضباط أن التقاط هاتف طفل لعبارة «أبى عاد إلى المنزل» قد يكون كافيا للإشارة إلى وجود الشخص المستهدف وبدء الغارة.

لم يهتم المخرجان كثيرا بسؤال ما إذا كان كل ضابط يشعر بالندم. قالا إن بعضهم تحدث بلا مبالاة، وبعضهم بفخر، وبعضهم بندم. اهتمامهما كان منصبا على النظام، الأوامر، والسياسات، والممارسات المقبولة، واللغة التى تجعل القتل ممكنًا، ثم الأشخاص الذين يتحولون إلى تروس داخله. فالفيلم لا يقدم ما جرى باعتباره سلسلة تجاوزات فردية ارتكبها جنود خرجوا عن التعليمات، بل يسأل عما إذا كانت التعليمات نفسها هى المشكلة.

ربما لهذا وقف جمهور فينيسيا كل هذا الوقت. لم يكن التصفيق للفيلم وحده، بل للحقيقة حين جاءت من داخل المجتمع الإسرائيلى.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«أبى عاد إلى المنزل» «أبى عاد إلى المنزل»



GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

GMT 04:48 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حين تستخدم واشنطن التأشيرة ضد فلسطين

GMT 04:46 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

من مفارقات هذا الزمان

GMT 04:44 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

سفارة مغربية فى القدس

GMT 04:41 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

المشروع!

GMT 04:39 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

قمة عربية عاجلة

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 18:53 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج العقرب الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:39 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الثور الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:59 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الدلو الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:36 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الحمل الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:56 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الجدي الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 19:01 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الحوت الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 05:07 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج القوس الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:13 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الجدي الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:01 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الأسد الميزان 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 04:24 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الثور الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 18:54 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج القوس الخميس 06 أغسطس/ آب 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt