بقلم: عبد اللطيف المناوي
رفض الولايات المتحدة منح الرئيس الفلسطينى محمود عباس وكبار المسؤولين الفلسطينيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة ليس إجراءً قنصلياً عادياً، بل رسالة سياسية سلبية ومقصودة. فالاجتماعات تُعقد فى نيويورك لأن الولايات المتحدة تستضيف مقر المنظمة الدولية، لا لأنها مناسبة أميركية تختار واشنطن ضيوفها وفقاً لعلاقاتها السياسية معهم.
هذه هى السنة الثانية على التوالى التى تمنع فيها إدارة ترامب عباس والوفد الفلسطينى من المشاركة حضورياً. وقد ردت الجمعية العامة بالسماح له بإلقاء كلمته مسجلة، بقرار أيدته ١٥٢ دولة وعارضته ثلاث فقط. وهكذا فشل المنع فى إسكات الصوت الفلسطينى، لكنه كشف حجم الفجوة بين الولايات المتحدة والغالبية الدولية.
التبرير الأمريكى الرسمى يتحدث عن إخفاق السلطة فى الإصلاح والوفاء بالتزاماتها، وعدم إدانة الإرهاب بصورة كافية، واستمرار مدفوعات عائلات الأسرى، واتخاذ خطوات «تقوّض السلام». لكن السبب الأوضح هو إصرار الفلسطينيين على نقل قضيتهم إلى المؤسسات والمحاكم الدولية، والسعى إلى توسيع الاعتراف بدولتهم. أى إن واشنطن لا تعاقبهم على عمل مسلح، وإنما على استخدام الأدوات الدبلوماسية والقانونية المتاحة لهم.
أما الدلالة الأهم فهى أن الإدارة الأمريكية تقترب من تبنى الموقف الإسرائيلى الرافض لتدويل القضية، وتريد حصر أى تحرك فلسطينى داخل مفاوضات ثنائية تديرها هى، رغم أن هذه المفاوضات متوقفة عملياً منذ سنوات. وبذلك تتحول التأشيرة من وثيقة سفر إلى أداة ضغط سياسى، وتفقد واشنطن جزءاً إضافياً من قدرتها على تقديم نفسها كوسيط.
هناك أيضاً إشكال قانونى. فاتفاق مقر الأمم المتحدة لعام ١٩٤٧ يلزم الدولة المضيفة بعدم عرقلة وصول ممثلى الدول والجهات المدعوة، وبإصدار التأشيرات المطلوبة سريعاً. وترى الولايات المتحدة أن اعتبارات أمنها وسياستها الخارجية تسمح لها بالاستثناء، بينما يؤكد خبراء أمميون أن واشنطن لا تستطيع فرض هذه الاستثناءات بإرادتها المنفردة.
بدأ الحضور الفلسطينى التاريخى على منصة الأمم المتحدة فى ١٣ نوفمبر ١٩٧٤، عندما ألقى ياسر عرفات خطابه الشهير عن غصن الزيتون وبندقية الثائر. وبعد تسعة أيام مُنحت منظمة التحرير صفة مراقب. وفى ٢٠١٢ أصبحت فلسطين «دولة مراقب غير عضو»، قبل أن تحصل عام ٢٠٢٤ على حقوق
مشاركة إضافية، وإن بقيت بلا حق تصويت.
أما المنع الأمريكى، ففى سجله الأبرز ثلاث مناسبات على مستوى القيادة الفلسطينية، رفض تأشيرة عرفات عام ١٩٨٨، فنقلت الجمعية العامة جلستها إلى جنيف ليستطيع مخاطبتها، ومنع عباس ونحو ثمانين مسؤولاً عام ٢٠٢٥؛ ثم تجديد المنع عام ٢٠٢٦.
المفارقة أن المنع لا يقلل الحضور الفلسطينى، بل يضاعف رمزيته. وكلما استُخدمت الدولة المضيفة لإغلاق باب المنظمة، بدا الفلسطينيون أقرب إلى موقع الطرف المحاصر حتى فى الدبلوماسية، وبدت واشنطن أبعد عن موقع الوسيط وأقرب إلى موقع الشريك فى الحصار.