توقيت القاهرة المحلي 17:53:32 آخر تحديث
  مصر اليوم -

صراع وجود وليس صراع حدود

  مصر اليوم -

صراع وجود وليس صراع حدود

بقلم - عمرو الزنط

عندما نتحدث عن الصراع الدائر منذ عقود مع الإسلام السياسى- والذى ربما اقترب من الذروة مؤخرًا- نتحدث عن صراع وجود. لأنه يدور مع مَن يريد بسط قراءة معتمدة لمعنى الوجود ذاته، ويرمى إلى محو وجود أى فكر مغاير. كان هذا الطرح الأساسى للمقال السابق: الصراع لا يتعلق بتطبيق حدود شرعية، إنما بحدود فكرية تلغى وجود أى طرح مغاير، فيجد مَن يتبنى ذلك الفكر نفسه فى صراع وجودى.
لكن أليس حقيقيًّا أن كل مجتمع، مهما كان تحرره وانفتاحه، يفرض حدودًا ما قد تبدو مُكبِّلة؟. بالقطع، بل إن الحرية نفسها تحتاج وجود نظام. لأنه فى بلد بلا حدود قانونية مَن له الحرية فى التحرك والتفكير وفرض أفكاره هو فقط مَن يمتلك أداة السيطرة بقوة السلاح وليس حجة العقل، أى سيادة قانون البلطجة، ولن أقول الغابة لأنه أسوأ بكثير، نظرًا لقدرة الإنسان على تنظيم العنف وتركيزه لمضاعفة آثاره المدمرة، ثم تعليله باسم أسمى المفاهيم المثالية.

إذن فالحرية تحتاج نظامًا متوافَقًا عليه، فلا يمكن فرض أى شىء على الإنسان الحر إلا بالإقناع والتعليل فى ظل النظام المتوافَق عليه. لكن ماذا إذا تبلور التوافق، فى مرحلة ما، على نظام الإسلام السياسى؟. ألم ينتخب المصريون مثلًا الكثير من من نوابهم من الأحزاب الدينية فى «برلمان الثورة»؟، ما المشكلة فى هذا التوافق؟.

السؤال الأول الذى يجب الرد عليه هو: لماذا يا تُرى تجد سيادة قانون البلطجة منتشرة فى مجتمعات حاولت تطبيق «الحدود»، مثل السودان والصومال وأفغانستان، بالمقارنة بمجتمعات من المفترض أنها أكثر انفلاتًا بكثير: السويد أو هولندا مثلًا، أو حتى أماكن أفقر مثل تايلاند وفيتنام؟.

حتى إذا تغاضينا عن كيفية معاملة الحكم باسم المطلق لمَن يرفض حيثياته العقائدية من أساسه، يكفى أن نلاحظ كارثية الصراع بين مَن يدَّعِى أنه الأحق بفهم مقاصد الله على الأرض فى ظل سيطرة ذلك «التوافق» عليه، والذى سرعان ما يتحول إلى حرب ضروس بين الفئات المختلفة التى تعتقد أنها مُفوَّضة من قِبَل خالق الكون لتطبيق شرعه على الأرض، كما حدث مثلًا بين جماعات الصومال والمجاهدين وطالبان فى أفغانستان. الصراع بين أولياء الله فى الأرض أقرب إلى نظام قانون البلطجة عنه إلى الأنظمة العقلانية المانحة للحرية.

لكن حتى قبل الوصول إلى هذا الحد، هناك أزمات يصطدم بها أى نظام ليس فيه مرونة التطور؛ فصحيح أن الحرية تحتاج لوائح وأنظمة وقوانين متوافَقًا عليها، لكن أساس النظام الذى يصونها يجب أن يقبل أن تكون هذه قابلة للإصلاح والتعديل والتغيير، أو على الأقل إعادة التفسير والتأويل. أما المطلق، والحكم باسمه، فليس قابلًا «للإصلاح»: من الصعب جدًّا قبول إلغاء الحكم باسم خالق الكون وحذف شرعه من القوانين.

حاكمية الله، فى نظر مَن يحكم باسمها، لا يمكن أن تكون، فى التحليل النهائى، قابلة للإلغاء نتيجة مجرد تغيرات فى أهواء البشر.. حتى إذا انقلب التوافق بالكامل نتيجة تحولات عميقة فى العلوم والتكنولوجيا والثقافة تفرض أنماطًا جديدة من الحياة والفكر، يظل المطلق ثابتًا مطلقًا فى نظر مَن يتبناه ويتسلط باسمه.

قارن ذلك بالنظام السياسى المبنى على الدستور الأمريكى مثلًا، والذى كان يمكن تفسيره فى البداية على أنه يسمح بالعبودية وعدم إعطاء النساء أو حتى الفقراء حق التصويت، وبأشياء أخرى كثيرة تُعتبر مُكبِّلة للحقوق والحريات فى زماننا الحالى. لكن ذلك النظام، نتاج الثورة العلمية وعصر التنوير، سمح أيضًا بالإصلاح الذاتى والتأقلم مع تغير ظروف وفكر الإنسان.

حتى وصل رئيس أسود فى البيت الأبيض وحصل النساء، وكذلك المثليون وغيرهم كثيرون، على حقوق واسعة النطاق. فى نفس الوقت، مع تفاقم الصراع الذى احتدَّ حول التغيرات المسرعة والمسائل الخلافية، حمى الدستور والنظام الأمريكى حقوق الأقليات السياسية المعارضة، حتى عندما حاول «ترامب» محوها لأنه يقر بأن خسارتها للأغلبية لا تعنى محو وجودها.. فالصراع السياسى فى ظله ليس صراع وجود أساسًا لأنه سمح منذ البداية بمساحة شاسعة من الحرية الفكرية، التى بدونها لا إمكانية أو معنى للتعددية السياسية.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

صراع وجود وليس صراع حدود صراع وجود وليس صراع حدود



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - مصر اليوم

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 14:55 2019 الثلاثاء ,02 إبريل / نيسان

يحذرك من ارتكاب الأخطاء فقد تندم عليها فور حصولها

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:37 2023 الجمعة ,03 آذار/ مارس

افتتاح مطعم وجبات خفيفة أثري في إيطاليا

GMT 17:38 2017 الجمعة ,04 آب / أغسطس

قانون للتواصل الاجتماعي

GMT 16:34 2015 الثلاثاء ,20 تشرين الأول / أكتوبر

سيارة Toyota Fortuner 2016 بتصميم مختلف كليًا

GMT 08:58 2020 السبت ,29 شباط / فبراير

يتحدث هذا اليوم عن مغازلة في محيط عملك

GMT 11:18 2019 الثلاثاء ,20 آب / أغسطس

اهمية تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى مصر

GMT 18:54 2017 الثلاثاء ,24 تشرين الأول / أكتوبر

مدرب الاتحاد السكندري يُغير طريقة اللعب بعد رحيل هاني رمزي

GMT 20:04 2025 الخميس ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

ماسك يتوقع أن الذكاء الاصطناعي سيجعل سكان العالم أثرياء
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt