توقيت القاهرة المحلي 18:58:04 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الناس والأسماء والسياسة

  مصر اليوم -

الناس والأسماء والسياسة

بقلم:جمال الكشكي

لا جديد تحت الشمس، يجلس الكاتب السياسي كل صباح أمام سيل الأخبار، فيجد العالم يعيد نفسه بإصرار يبعث على الدهشة والملل، حرب تبدأ هنا، وأخرى تنتهي هناك، ثم تعود الأولى بثوب جديد، مضيق يغلق فتختنق التجارة العالمية، ثم يفتح قليلاً حتى يلتقط العالم أنفاسه، قبل أن يعود الاختناق من جديد، دولة تتحول إلى ساحة صراع بالوكالة، ثم يعتاد الناس المشهد حتى يصبح الموت خبراً عادياً.

أوروبا التي أقسمت بعد الحرب العالمية الثانية ألا ترى حرباً أخرى على أرضها، وجدت نفسها أمام حرب روسيا وأوكرانيا، ومضيق هرمز يذكر العالم بأن سفينة واحدة قد تربك الاقتصاد العالمي، أكثر مما تفعل عشرات المؤتمرات الدولية، والسودان تحول إلى ميدان رماية تتقاطع فيه حسابات الداخل والخارج.

كل هذا صار مألوفاً، لكن بين ركام الأخبار يظهر أحياناً خبر صغير، شارد، لا يغير خريطة العالم، لكنه قد يفسرها، خبر يجعلك تهتف كما هتف أرخميدس: وجدتها.

الخبر يقول إن البريطانيين، طوال عامين كاملين، لم يسموا مولوداً واحداً باسم «كير»، وهو اسم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الذي انتهى به الأمر إلى الاستقالة بعد سلسلة من الأزمات السياسية.

يا لها من عقوبة، ليست مظاهرة غاضبة، ولا حملة إعلامية، ولا هتافات في الشوارع، وإنما شطب للاسم من شهادة الميلاد، وكأن الشعب قال لرئيس وزرائه: قد نتعايش معك، لكن أبناءنا لن يحملوا اسمك. وهنا يصبح دفتر المواليد صندوق اقتراع آخر، أكثر قسوة، لأن نتائجه تبقى جيلاً بعد جيل.

الطريف أن بريطانيا عرفت زمناً مختلفاً، كان الناس يتسابقون إلى إطلاق أسماء قادة سياسيين محبوبين على أبنائهم. ولكن مع ستارمر بدا وكأن ماكينة الأسماء توقفت فجأة ودخل اسمه الحجر الصحي. الأسماء ليست مجرد حروف، وإنما استفتاء صامت على المكانة في وجدان الناس.

إن ما حدث في لندن عاصمة الضباب ليس بجديد على التاريخ، فقد فعلته شعوب كثيرة في لحظات الغضب، وعلى سبيل المثال عانت السياسة من قائمة طويلة لأسماء من طراز هتلر الألماني، وستالين السوفياتي، وفرانكو الإسباني، وغيرهم، من الذين تركوا بصمات عصية على التجاوز أو القفز على نتائجها الكارثية، في حين أن هناك أسماء خلدتها دفاتر المواليد مثل العلماء إسحاق نيوتن، وفليمنغ وغاليليو، فالشعوب دائماً تبتكر الحيل لتعبر عن مواقفها الذكية من دون استدعاء الفوضى والانهيارات.

إذاً باتت لمواقف الشعوب أشكال أخرى، ولعل قصة كير ستارمر تحمل ذلك المعنى القاسي الذي جسدته الحالة الغربية في التعبير عن نفسها، فهي حالة تؤمن بتخليد الأسماء كلما جاء جيل جديد، وقد حدث مع اسم فيكتوريا تلك الملكة البريطانية الشهيرة التي تجدد إقامتها على أبواب بريطانيا.

حين كانت مارلين مونرو تحتل خيال الأميركيين، خرج آلاف الأطفال يحملون اسمها، رغم أن مارلين مونرو لم يكن اسمها الحقيقي، لكنه كان اسمها الفني الذي انتصر على اسمها الأصلي، وحين صعد نجوم السينما والغناء، امتلأت سجلات المواليد بأسمائهم، لأن الناس أرادوا أن يورثوا أبناءهم شيئاً من البريق.

وفي السياسة يحدث الأمر نفسه، ولكن في الاتجاهين. ويقال إن اسم ريتشارد، في أسرة الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون، ارتبط بالإعجاب بالملك ريتشارد قلب الأسد، أما والد لاعب الكرة الشهير كريستيانو رونالدو، فلم يختر اسم «رونالدو» من فراغ، لكن يقال إنه استلهمه من اسم الرئيس الأميركي رونالد ريغان، الذي كان ممثلاً قبل أن يدخل البيت الأبيض. هكذا تتداخل السياسة بالرياضة، والتاريخ بالأحلام، داخل شهادة ميلاد طفل لا يدري شيئاً عن كل ذلك.

لكن السياسة قادرة أيضاً على تحويل الاسم إلى عبء، فكم من أسماء ازدهرت مع صعود أصحابها، ثم اختفت بعد أن التصقت بالحروب، أو الفضائح، أو الاستبداد، أسماء كانت في يوم من الأيام تفتح الأبواب، ثم أصبحت تفتح ملفات التحقيق، وأخرى تحولت إلى لعنة، يتجنبها الآباء كما يتجنبون الأمراض الوراثية.

وفي عالمنا العربي أمثلة أكثر مما يحتمله مقال واحد، لكن النبش في دفاتر الأسماء قد يوقظ معارك لا حاجة إليها، فالتاريخ يحتفظ بقائمته الطويلة، والناس يحتفظون بذاكرة أعمق.

فالسياسي قد يخسر منصبه ويعود إليه، وقد يخسر حزبه ثم يؤسس حزباً جديداً، وقد يخسر انتخابات ثم يفوز في التي تليها، أما إذا خسر اسمه، فقد خسر معركة لا تعلن نتائجها لجان الفرز، ولا مراكز استطلاع الرأي، وإنما تعلنها غرف الولادة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الناس والأسماء والسياسة الناس والأسماء والسياسة



GMT 06:33 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... باردة وصارمة

GMT 06:30 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

بعدما فازت إسبانيا... ماذا عن «نظريات» ميسي؟

GMT 06:28 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

النظام العالمي والفرصة الأخيرة

GMT 06:26 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

آفاق مستقبل النفط

GMT 06:24 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

تفاهمات «الاتفاق الإطاري» في التطبيق

GMT 06:21 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

الشرق الأوسط... حروب أم بداية حلول؟

GMT 06:17 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

مصر ومواجهة الانفجار الكبير

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 16:24 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ماغي بوغصن تكشف ملامح مسلسلها الجديد في رمضان 2027
  مصر اليوم - ماغي بوغصن تكشف ملامح مسلسلها الجديد في رمضان 2027

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:01 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 22:00 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وصفات طبيعية لتنظيف الأثاث المعدني

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة

GMT 14:26 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 18:47 2021 الثلاثاء ,23 شباط / فبراير

عادات خاطئة تفعلها عند شرب الماء تؤدي إلى الموت

GMT 17:17 2019 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

حريق في مبنى الخارجية المصرية

GMT 01:20 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

الفنان تامر حسني يحتفل بـ أحمد عصام بهذه الطريقة

GMT 07:33 2024 الجمعة ,16 شباط / فبراير

مفاجأة بشأن الشرط الجزائي في عقد هالاند
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt