بقلم:حبيبة محمدي
الكتابةُ حالةٌ خاصةٌ جدا، هى عندى، حالةٌ بين الشَّجَنِ النبيلِ أو الحُزنِ الخَفِيِّ وبين الفرحِ الحَذِرِ، أما الكتابةُ للصحافةِ، فهى حالةٌ مختلفةٌ، هى علاقةٌ ممتدةٌ مِن «العِشرةِ» الطَيّبةِ، فيها الصدقُ والحبُّ، وفيها الثقةُ المتبادلةُ بين الكاتبِ والقُرَّاءِ، الذين هُم بمثابةِ الأصدقاءِ الأفاضلِ والقريبين والأعزَّاءِ، حتى لو لمْ نكنْ نعرفُهم فى الواقعِ!. وهذه العلاقةُ التى أُقدِّرُها وأحترمُها جدًّا، هى ما أُسمِّيها «الالتزام مع القارئ».
لذلك لا أجدُ حرجًا من أنْ أُصارحَكُم، بأننّى كنتُ أتهيأُ للكتابةِ عن فكرةٍ أخرى بعينِها- و لكنّنى أجَّلْتُها إلى موعدٍ قادمٍ بحولِ اللهِ- فكتابةُ المقالِ تبدأ بالفكرةِ، حيث أضعُ فكرتَه الأوّليةَ ذهنيًّا، فى انتظارِ بلورتِه، واكتمالِ معناه حتى الانتهاء منه، وهناك حالاتٌ خاصةٌ، هى «طوارئُ الكتابةِ»، وهى الأحداثُ التى تفرضُ نفسَها على الكاتبِ، وهى، عادةً، مستجدَّاتٌ سياسية أو ثقافية أو حتى اجتماعية..
غير أنَّنا ننسى أنَّ هناكَ عنصرًا آخرَ هامَّا أيضا، وهو حالةُ الكاتبِ نفسِه المزاجية والنفسيّة، وهى حالةٌ خفيَّةٌ تكمنُ فى النفسِ ولا يتحمَّلُ مسؤوليتَها إلاَّ الكاتبُ نفسُه، كأنْ يمرَّ بحالةِ حزنٍ لفقدِ أهْلٍ أو أحِبَّة، أو يتعرّضَ لشعورٍ يؤلمُه،و يخصُّ حالاتٍ عامةً، أو غيرُ ذلك من المشاعرِ!...
لذلك اسمحُوا لى أنْ أُعيدَ نشرَ بعضِ ما كتبتُه فى مقالٍ سابقٍ لى، موسومٍ بـ:
((كلَّما سمعتُ بموتِ مبدعٍ أَجَدْتُ حياكةَ الكَفنِ!)).
أتساءلُ: تُرانا حين نكتبُ عن الموتِ، هل نحنُ نكتبُ عن فراقِ الأحبابِ أم الذكرياتِ أم عن العدمِ؟!.
قد نسمحُ لأنفسِنا أنْ نتساءلَ فى حدودِ العقلِ الإنسانى المجبولِ على السؤالِ، من مثلِ: ما الموتُ بالمفهومِ الفلسفى أو قُلْ الوجودى؟ وهل الموتُ «مرادفٌ» للعدمِ؟
أو هل للموتِ معنى جماليّ بوصفِه عتبةً لعالَمٍ أفضلَ؟
لن نكونَ مثلَ الفيلسوفِ «أَبيقُورْ الإغريقى» الذى كتبَ عن الموتِ فى تعبيرٍ جدلى، وهناك كثيرون، ممّن كتبُوا عن مفهومِ الموتِ؛ وكم طُرحتْ إشكاليةُ الموتِ بوصفِها إحدى مشكلاتِ الإنسانِ الكُبرى، والمفهومُ الفلسفى للموتِ أو إشكاليةُ الموتِ فى الفلسفةِ والوجودِ، ومفهومُ الخلودِ وغيرُها من الإشكالياتِ الوجوديةِ الكبرى التى بإمكانِ العقلِ الإنسانى أن يطرحَها.
نحن شعوبٌ مؤمنةٌ، وعلى فطرتِها السوّيةِ، وكلّما جاءَنا خبرُ موتٍ، رَدَدْنَا على الفورِ: «إِنَّا لِلَّهِ وإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون»، و«البقاءُ لله»، كما أنَّ تجلّياتِ الإيمانِ نسمعُها فى مختلفِ اللهجاتِ العربيةِ، كأنْ نقول: «عظَّمَ اللهُ أجرَكم»، و«ما يَغْلاشْ على مُولاه» فى الموروثِ الشعبى الجزائرى، أو: «شِدّْ حِيلكْ» و«البقيّة فى حياتِكْ»، أو «تِعيشْ وتِفتكرْ»!.. فى الموروثِ الشعبى المِصرى.