توقيت القاهرة المحلي 21:51:28 آخر تحديث
  مصر اليوم -

عن اقتصاد السّوق واقتصاديات السُّوء

  مصر اليوم -

عن اقتصاد السّوق واقتصاديات السُّوء

بقلم: د. محمود محيي الدين

اهتمَّ جيلٌ مؤسِّسٌ من الاقتصاديين العرب، ظهرَ أهمُّ إنتاجهِم العلمي في السّتينات حتى أواخرِ القرن الماضي، بدلالةِ الألفاظ ومعاني المُصطلحات. وأسعدنِي العملُ باحثاً في مطلعِ التسعينات مع الاقتصاديّ العربيّ الرَّصين الدكتور يوسف صايغ في مشروعٍ قادَه عن مستقبل الاقتصادِ الفلسطيني بعد مؤتمرِ مدريد. وتجدُه لا يكتفي بتدقيقِ مصادرِ المعلوماتِ ومراجعة أساليبِ التَّحليل، ولكنَّه كانَ شغوفاً، كأكثرِ أبناءِ جيله، باللغةِ فلا يستخدمُ مصطلحاً أجنبياً إلَّا وعرَّبه وبيَّنَ معناه.

تذكّرت مع كتابة عنوان هذا المقال محاوراتِ الدكتور صايغ، كما استرجعتُ كتاباتِ الموسوعي الدكتور إسماعيل صبري عبد الله ومقالاتِه الرَّشيقة، ضمَّتها سلسلةٌ بعنوان «ألفاظٌ ومعانٍ». فمَا أقصده باقتصادِ السوق هو النظامُ المتبعُ للإنتاج وإدارة الموارد والاستهلاك وتوظيف الفائض، إذا تحقَّق، اعتماداً على آليات السوق المنظمة من عرض وطلب. أمَّا «الاقتصاديات» فالمقصودُ بها أساليب العلم المحتكمة إلى النظريات والنماذج والتطبيقات والخبرة العملية. وقد أضفت «السوء» للاقتصاديات، ليس تلاعباً بالألفاظ أو المقابلة بين استخدامات الفصحى والعامية الدارجة في بعض البلدانِ العربية بنطقها كلمة السوء وهي تعني السوق. فالسوء هنا هو كل ما يضر بأحوال المرء من قبح ونقص وفساد بسبب أفكار سيئة، أو لممارسات معيبة. ويكون السوق سوءاً بمعنى الكلمة إذا غابتِ القواعد المنظمة، والرقابة الفاعلة، وغلبت عليه مثالب الممارسات الاحتكارية، وتراجع فضائل المنافسة، وهيمنة بيروقراطيات الدولة وسواعدها الجائرة على مجريات اقتصاد لا علم لها بشؤونه وخصائصه. وهو ما فطنَ إليه العلامة ابنُ خلدون في القرن الرابع عشر، فحذَّر بما فسَّره في فصل كامل في مقدمته الشهيرة بعنوان «في أن التجارة من السلطان مضرّة بالرعايا ومفسدة للجباية». فتدخل الحكومات في أعمال الاقتصاد يسلب المنتجين فرصَهم في المنافسة؛ لما عرف عن بيروقراطيتها من ترهّل في الإدارة، وضعف عن ملاحقة مستجدات الإنتاج من ابتكار وتطوير، وتردد في اتخاذ قرارات بالمخاطرة، وبطء في اتخاذ القرار، والخوف من مراجعة قرار خاطئ اتخذته حتى لو ظهرت بوادر فشله وخسارته. وإن استطاب لها مزاحمة أهل الاختصاص والحِرف والإنتاج في أعمالهم خسرت الحكومة بذلك ثلاث مرات: الأولى، بإضاعة فرص الربح على أرباب الاقتصاد، فتقل حصائلها من الضرائب المفروضة على الأرباح والدخول؛ الثانية، بولوجها في أنشطة كانت ستحقق ربحاً لولا تدخلها فحولتها خسارةً تتحملها ميزانية الدولة؛ الثالثة، في أنها بتفضيلها دور اللاعب في الأسواق ستجدها حتماً مقصّرة في دورها حَكماً للسوق فلم تقم بتسوية ملعبها، ومتجاوزة في دورها راعياً لحقوق عموم الناس بعدما صارت طرفاً في البيع والشراء، ومهملة في دورها في تحصيل الإيرادات العامة بما انشغلت به عنها من انتحالها وظائف يجود فيها الإنتاج الخاص.

وما زالت الأفكار السيئة تستشري، بل وبُستدعى بعضها من مراقدها بعد ثبوت فشلها بحجج متهافتة من نوع أن نظريتها كانت صحيحة، ولكن أضاعتها تطبيقاتٌ سيئة أو ظروف غير مواتية. وما زالت اقتراحات تساق من حين إلى آخر تختلط فيها الأساطير بالأباطيل والاستخفاف بالعلم بدعاوى مضللة، مثل «التفكير خارج الصندوق»؛ بأساليبَ أقرب لإعادة اختراع العجلة، متجاهلة محاولات سابقة فاشلة وتجارب أخرى ناجحة جعلتها على استدارتها المتعارف عليها اليوم، ثم أتقنت صنعها والارتقاء بمستحدثات واختراعات بُنيت عليها.

وتزداد مثل هذه الترهات في أوقات الأزمات، التي تكررت وكثرت، فبدلاً من التصدي لها بالعلم والجلد بما يتاح من موارد وانتفاعاً بتجارب السابقين من الحاذقين يأتيك أحدُهم بما يعدُّه فكرةً لم يسبقه إليها الأوائل. وما أكثر هذه الأفكار التعسة التي لا تأتي إلا لمن طار مع الخيال «على غير قصد ولا مأرب»، كما جاء في شطر بيت من شعر حافظ إبراهيم، ناصَـرَ فيه نشدان الحقيقة، حتى لا يصير البريء مع المذنب.

وقد سقت من قبل أمثلة لأفكار مضللة أحالت اقتصادَ السوق المنشود حقلاً لدراسة اقتصاديات السوء بأضراره على المجتمع وعموم الناس. وأعيد سردَ ما نوهت عنه من قبل من أمثلة لأفكار سيئة حذّرت منها لجنةُ النُّمو التي قادها البروفسور مايك سبنس الحائز نوبل في الاقتصاد، وتشرفتُ بعضويتها، ومن أمثلتها:

- تخفيض عجز الموازنة العامة وسداد الديون بالتضحية بالاستثمار العام في التعليم والصحة والبنية الأساسية.

- حل مشكلة البطالة بتعيينات لا يحتاج إليها الجهاز الإداري للدولة.

- التسعير الإداري للسلع بزعم السيطرة على التضخم.

- منع الاستيراد والتصدير لسلع معينة للتحكم في الأسعار.

- تجاهل التنمية الحضرية والريفية.

- إهدار الأبعاد البيئية للمشروعات.

- استهداف سعر الصرف بدلاً من التضخم، وعدم توافقه مع السعر العادل.

- كبح القطاع المالي، وسوء الإشراف عليه.

- تجاهل البعد النوعي لمخرجات التعليم والصحة.

- إهدار الدعم، بتجاهل أن الدعم أولى به أن يكون لمستحق بعينه وليس لسلعة لا ضامن لوصولها مدعومة لمن يحتاج إليها.

- تجاهل اعتبارات العائد والتكلفة للإنفاق العام، وغياب قواعد الاستدامة المالية بحجة تجاوز الأزمات العارضة، واستسهال قيام البيروقراطية بالمشروعات من خلال الاستدانة؛ ثم محاولة طرحها للبيع في سوق غير راغبة فيها.

وبالاعتماد على هذه الأفكار السيئة ومثيلاتها، ثم الاعتياد عليها، يكسبها مرور الزمن ألفة وحصانة فُيخشى المساس بها. فإذا بالاقتصاد يواجه مشكلات عدة، فإن تأخر حلها تحولت أزماتٍ، فإن عولجت خطأً تحولت كوارثَ؛ وتلك من معالم اقتصاديات السوء وليس اقتصاد السوق.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عن اقتصاد السّوق واقتصاديات السُّوء عن اقتصاد السّوق واقتصاديات السُّوء



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt