توقيت القاهرة المحلي 00:34:28 آخر تحديث
  مصر اليوم -

عن أسعار الفائدة والذهب واقتصاد عموم الناس

  مصر اليوم -

عن أسعار الفائدة والذهب واقتصاد عموم الناس

بقلم: د. محمود محيي الدين

باتَ من المحتَّم بعد صدورِ تقرير سوق العمل في الولايات المتحدة، الذي يمكن وصفُه بالمحبط عن مستويات التشغيل، أن يقومَ البنك الفيدرالي في اجتماعه القادم، بتخفيض أسعار الفائدة على الأقل بربع نقطة مئوية، أو 25 نقطة أساس لإنقاذ سوق العمل التي تزداد ضعفاً. ويأتي الاجتماع، الذي سينتهي إلى هذا القرار في السابع عشر من هذا الشهر، وسط أجواء غير مسبوقة مهددة استقلال البنك المركزي، ومعه أهم ما يملكه وهو مصداقيته. إذ يتعرض البنك لضغوط سياسية متباينة تجاوزت في حدتها محاولات سابقة، من قِبل البيت الأبيض، للنيل من حرية اتخاذ أهم قراراته المتعلقة بالسياسة النقدية، وهي تحديد أسعار الفائدة وفقاً لمعطيات موضوعية وأهداف اقتصادية. وتتراوح هذه الضغوط بين التسفيه علناً من رئيسه، والتشكيك في كفاءته، والتهديد بعزله، والسعي لإقالة أحد أعضاء مجلسه والدفع بآخرين من الموالين أعضاءً، والتدخل في ثوابت حوكمته من القاعدة إلى القمة.

وكأنَّه لا يكفي ما يواجه البنك الفيدرالي من معضلة مركبة بتراجع مستويات التشغيل، وضعف سوق العمل، تزامناً مع عدم السيطرة الكاملة على التضخم الذي ما زال يتجاوز معدل زيادته الهدف المعلن وهو 2 في المائة سنوياً. ويفسر المعلق الاقتصادي بريان كيم تدهور سوق العمل في العام الحالي بأربعة عوامل؛ أولها تأثير مخطط تخفيض العمالة الحكومية في بداية عهد الرئيس ترمب؛ وثانيها الأوضاع الاقتصادية والسوقية، ردَّ فعلٍ لحالة اللايقين، والتضخم وتغيرات الطلب؛ ثالثاً ما يسببه إغلاق محال ومشاريع من تخلص من عمالة؛ ورابعاً تداعيات الأثر السلبي قصير الأجل لتسارع التحول التكنولوجي في بعض الأنشطة إلى تخفيض للعمالة فيها.

ويواجه البنك الفيدرالي اختباراً عاجلاً لمصداقيته، فهو إن خفض أسعار الفائدة كما هو مقدر ومبرر، قد يفسر بأنه إذعان لضغوط البيت الأبيض، وبأن أسعار الفائدة قد تم تسييسها. فتأتي قراءة لوضع الدولار اليوم بصفته عملة احتياطي، بأنه تم تسليحه في المواجهات الدولية، بعد إجراءات حجب استخدام آلية السويفت لتسوية المعاملات عن الروس بعد الحرب الأوكرانية. كما أن أسعار فائدته تتعرَّض في تحديدها لضغوط سياسية متزايدة لخصتها الاقتصادية شيبنيم كالملي في مقال تساءلت فيه عن أسباب «حب الحكام الشعبويين لتخفيض أسعار الفائدة»؛ وكان الرد بأن دافعهم الحقيقي ليس لانتهاجهم مدرسةً تتهم ارتفاعها بزيادات في التضخم، ولكن لدعم توجههم السياسي في الأجل القصير، ولو بتكاليف متزايدة ستلاحق من يأتي بعدهم.

ومما سيترتب على خفض أسعار الفائدة، تزايد التخوف من ارتفاع التضخم، مع مهددات الاستقرار السعري وسلبية التوقعات، بسبب الإجراءات الحمائية ورفع الرسوم الجمركية على الواردات، ومعها فرض القيود على الهجرة، التي تزيد من احتمالات زيادة تكاليف الاستهلاك والإنتاج معاً. ولكن كما ذكرت في مقال سابق، فإن الخوف من البطالة قد غلب التخوف من التضخم بما عكسته تصريحات رئيس البنك الفيدرالي في جاكسون هول الشهر الماضي بما يحسم الاتجاه نحو التخفيض. وفي أي حال، لا ينبغي تجاهل زيادة احتمالات تضخيم فقاعات الأسهم المتداولة مع سعار أسعار شركات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، بتوجيه مزيد من السيولة إليها، على النحو الذي حذَّر منه الاقتصادي روشير شارما في مقال منشور منذ أيام بصحيفة «الفاينانشال تايمز».

ليس غريباً إذن أن تواجه الأصول المالية الأميركية، بدايةً من الدولار إلى أذون الخزانة والسندات الحكومية المقومة به، تحديات كبرى في الأسواق الدولية. فلأول مرة منذ أكثر من ثلاثة عقود، يزيد مكون الذهب في الاحتياطي من النقد الأجنبي على السندات الأميركية. ومن بداية العام ارتفع الذهب بأكثر من 35 في المائة، ونقلت شبكة «رويترز»، عن بنك الاستثمار «غولدمان ساكس»، أن المعدن الأصفر في طريقه لتجاوز 4000 دولار للأوقية في منتصف عام 2026، ارتفاعاً من سعر 3579 دولاراً في بدايات هذا الشهر، وأنه سيتجه إلى ما هو أعلى من ذلك إذا ما استمرت محاولات انتهاك مصداقية البنك الفيدرالي، وقد يصل إلى 5000 إذا ما وظف 1 في المائة من الاستثمارات الخاصة في الولايات المتحدة في الذهب بدلاً من أسواقها. فمع زيادة الذهب بريقاً نُذرٌ بسراب وعود بعهد ذهبي للاقتصاد.

وعابراً سلوك المستثمرين المحترفين ومؤسساتهم، التي لن تضيع فرصاً مع هذه التغيرات، إلى عموم الناس. ففي دراسة ميدانية قمت بها في عام 1995 على السلوك الادخاري للأسر الريفية، في أربع قرى تابعة لمركز كفر شكر في دلتا مصر، شكل الذهب مكوناً مهماً في محفظة الادخار العيني والمالي، للعينة المختارة. إذ جاء الذهب في المرتبة الثالثة بعد النقود السائلة والأطيان الزراعية. وتقليدياً تمتعت مصر كبلدان نامية غيرها، وبحماس أكبر وانتشار أكثر لسوق الذهب بسيولة عالية، وحرية في الشراء والبيع والرهن بشفافية. وبسؤال المبحوثين عن أسباب احتفاظهم بالذهب، أفادوا بثلاثة، كان أولها التأمين، بما يفسر إدراكهم دوره في التحوط ضد تقلبات الزمن والصدمات المتوقعة وغير المتوقعة، وجاء الادخار سبباً ثانياً، والزينة سبباً ثالثاً. ولا يتعارض اقتصادياً أي من هذه الأسباب مع الأخرى في دوافع الاحتفاظ بالذهب.

فكما أوضحت هذه الدراسة، فبالإضافة إلى إدراك عموم الناس أن الذهب أصل مرتفع السيولة، فهو وسيلة ناجعة للتوقي من التضخم. إذ يحتفظ الذهب بمعدل زيادة حقيقية في سعره، خاصة مع غياب بدائل لما يحققه من أغراض التأمين والادخار، وبعض من التحلي به للزينة، ولو عند الأزمات.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عن أسعار الفائدة والذهب واقتصاد عموم الناس عن أسعار الفائدة والذهب واقتصاد عموم الناس



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt