توقيت القاهرة المحلي 15:38:27 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ليذهب طائر الفينيق إلى الجحيم

  مصر اليوم -

ليذهب طائر الفينيق إلى الجحيم

بقلم - نديم قطيش

البلد الآيل للسقوط لا يسقط تماماً. لم يعرف لبنان طوال حربه الأهلية حجم الأهوال التي عرفتها سوريا في فترة أقل. ولا مر عليه ما يمر على الليبيين والسودانيين هذه الأيام من تشظٍ كامل للعناصر الأولية للدولة. وإذا نهض يصنع لبنان شيئاً يشبه المعجزة، كما حصل إبان حقبة الراحل رفيق الحريري، وفي سنوات معدودات، قبل انطلاق مشروع التغول عليه وقتله في ختامه.

باتت سردية «طائر الفينيق»، إذاك، أقوى الخرافات المؤسسة للهوية الوطنية اللبنانية. كأن قدر اللبنانيين هو الاحتراق حتى الرماد ثم النهوض بأجنحة من نور وألق. بيد أن مشكلة لبنان وشعبه هي هنا تماماً. أزمتهما في هذا التصور عن الذات الذي يسمح للذاكرة اللبنانية بهضم الأحداث والمصائب وكأنها لم تكن.

وعليه، بات التخلص من هذه الثقافة الوطنية معبراً اضطرارياً لإعادة تصور الذات ومعنى الوطن والمستقبل والكرامة، وإن كانت وقائع كثيرة تسندها وتسهم في تأبيدها في الوعي. من الوقائع تلك، أنه وفي ذروة الانهيار المالي والاقتصادي والمؤسساتي، يزدهر قطاع السياحة في لبنان، متجاوزًا كل التوقعات لناحية عدد السياح والرحلات الجوية ونسب توزيع الجنسيات بين الوافدين الذين شكل الأوروبيون أكثر من 40 في المائة من إجمالي عددهم. وكانت حسابات «إنستغرام» اللبنانية تنقل صور المهرجانات والاحتفالات والفعاليات كأن البلاد تعيش أفضل أيام عزّها، وعلى نحو باذخ يتجاوز ما يمكن الحصول عليه في منتجعات «ميكونوس» أو «إبيزا».

على الضفة الأخرى للمشهد اللبناني، شهد مخيم «عين الحلوة»، أكبر مخيم للاجئين الفلسطينيين في لبنان، أياماً من القتال العنيف بين حركة «فتح» والمسلحين الإسلاميين. نزحت مئات العائلات، ودمر ما يصل إلى 400 منزل، عدا عن سقوط 13 قتيلاً وعشرات الجرحى، في اشتباكات تذكر بشكل صارخ بالهشاشة الكامنة وراء نمط الحياة اللبناني.

وما إن هدأ المخيم، حتى عاد القتل السياسي والتوتر الطائفي ليطل برأسه مع حادثة مقتل إلياس حصروني، القيادي البارز في القوات اللبنانية، في بلدة مسيحية جنوب لبنان. أظهرت مقاطع فيديو من كاميرات المراقبة في البلدة أن سيارة الضحية اعتُرضت من سيارات، وسُحبت إلى المكان الذي عثر عليه ميتاً فيه.

وبفارق ساعات، اندلعت في بلدة الكحالة المسيحية، اشتباكات بين الأهالي وعناصر من ميليشيا «حزب الله» كانت تواكب شاحنة ذخيرة انقلبت على الطريق الرئيسية للبلدة، وهو جزء مما يعرف بخط الشام الدولي بين لبنان وسوريا. قتل شخصان في اشتباكات بين الطرفين فيما لا تزال حال الغليان هي السائدة وسط كم غير مسبوق من التصريحات السياسية والشعبية العنيفة ضد الميليشيا.

ازدواجية الحياة هذه في لبنان، وما تستحضره من مدائح تكال للروح اللبنانية، ينبغي أن تكون بمثابة تنبيه صارخ بأن الصمود وحده لا يكفي لمداواة الأمراض القاتلة التي تفتك بلبنان ودولته ونظامه ومستقبله. لم تعد حيوية لبنان المتأصلة وشغف أبنائه بالحياة كافية لدرء التفكك التام للمجتمع والدولة. مرونة اللبنانيين وصمودهم، وأسطورة طائر فينيقهم باتت لب المشكلة اليوم، بسبب قدرتها على تكوين قشرة انتصار تخمد الغضب الحقيقي والإحباط، وتمنعهما من التحول إلى قوة سياسية للتغيير. فما كان مدعاة للفخر بات حجاباً يعمي اللبنانيين عن الاحتمال الحقيقي بأن بلدهم قد يندثر من الوجود، أقله كما عرفوه وأحبوه.

ليذهب طائر الفينيق إلى الجحيم، وليتعرَّ اللبنانيون من الأوهام بإزاء حجم الكارثة التي يعيشون في قعر قعرها. فمن دون تحويل الغضب مادة للتعبئة السياسية اللازمة خلف مطالب الإصلاح الحقيقية والجذرية، وأولها التخلص من سلاح ميليشيا «حزب الله» كشرط مسبق لأي تسوية سلمية، فإن البلد معرض لفقدان هويته وكيانه إلى الأبد.

حقيقة الأمر أن الإحساس الزائف بالقدرة على الصمود والنهوض ليس حكراً على لبنان. يعج التاريخ بتجارب مماثلة، مهدت الطريق في بعض الأحيان للزوال التام لمجتمعات ودول. لبنان بهذا المعنى ليس أفضل حظاً من الإمبراطورية الرومانية، على سبيل المثال، التي سبقت سقوطها، حقبة من الاستقرار الواضح والعظمة التي أخفت تحتها عناصر الانهيار والضعف الكامنين. مرونة روما واحتفالية أهلها المستمرة بعظمة سلطتها على الرغم مما واجهته من أزمات وغزوات وصراعات داخلية وفساد، أعميا الكثيرين عن الانهيار الوشيك.

كثيرة هي وجوه الشبه بين الإمبراطورية العملاقة وبين الوطن الصغير.

كما اللبنانيين، المنتصر بعضهم على إسرائيل والمنتصر بعضهم الآخر على المآسي والمظالم، عانى الرومان من فائض الشعور بالانتصار، والإيمان بالقوة الأبدية للإمبراطورية، في حين وفر لهم ما أنجزوه على مر التاريخ شعوراً زائفاً بالمناعة ضد المآلات الكارثية المحتملة، التي كانت تلوح في أفق الإمبراطورية.

وكما سطوة ثقافة الحياة اللبنانية، فإن الهيمنة الثقافية المستمرة للإمبراطورية الرومانية والاحتفال بأمجادها الماضية أخفيا الشقوق المتزايدة داخل أسسها. منع الإيمان بالمرونة الأبدية للإمبراطورية من التنبه للإنذارات المبكرة، تماماً كما تفعل أسطورة طائر الفينيق في الشخصية الوطنية اللبنانية.

كان تدهور الإمبراطورية الرومانية عملية معقدة، تحولت فيها المرونة إلى شكل من أشكال إنكار الواقع، منع الإصلاحات الضرورية والتكيفات التي كان من الممكن أن تحفظ بها عظمتها. سقوط روما العظيمة تذكير قاتم للبنان الصغير بأن الصمود وحده لا يكفي، والرهان الدائم على إمكانات النهوض يخلق حالة مرضية من الرضا عن الذات، تعيق الجهود الضرورية لمواجهة التحديات الأساسية.

لن يستعاد لبنان ما لم يُمحق طائر الفينيق ويواجه اللبنانيون جحيمهم بوصفه جحيماً، لا بوصفه «شدة وتزول».

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ليذهب طائر الفينيق إلى الجحيم ليذهب طائر الفينيق إلى الجحيم



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 08:10 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026
  مصر اليوم - صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026

GMT 06:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
  مصر اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
  مصر اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 09:05 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء
  مصر اليوم - زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:39 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الثور السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:27 2025 الخميس ,21 آب / أغسطس

زعماء مصر في مرآة نجيب محفوظ

GMT 07:29 2025 الجمعة ,04 إبريل / نيسان

أهمية الإضاءة في تصميم الديكور الداخلي

GMT 05:47 2017 الخميس ,07 كانون الأول / ديسمبر

حفل زفاف مصطفى فهمي وفاتن موسى بعد عامين من الزواج

GMT 17:37 2021 الأربعاء ,18 آب / أغسطس

محمد رمضان يطرح أحدث أغانيه" على الله"

GMT 09:37 2021 الأحد ,11 إبريل / نيسان

جولة في منزل فاخر بنغمات ترابية دافئ الديكور

GMT 10:10 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

تنفيذ المستشفى الجامعي و7656 شقة إسكان اجتماعي بسوهاج الجديدة

GMT 03:03 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

رحلة خيال تحجب متاعب الواقع في معرض دبي الدولي للسيارات

GMT 21:50 2019 الإثنين ,19 آب / أغسطس

زوجة تقتل "حماها" لتحرشه بها في المقطم

GMT 00:06 2018 الإثنين ,10 كانون الأول / ديسمبر

غراتان المأكولات البحرية مع الشبث

GMT 12:07 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الجبلاية تستقر على خصم 6 نقاط من الزمالك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt