توقيت القاهرة المحلي 09:45:04 آخر تحديث
  مصر اليوم -

عن سؤال “وماذا أفادنا السلام”؟

  مصر اليوم -

عن سؤال “وماذا أفادنا السلام”

بقلم : نديم قطيش

ما عاد جائزاً، بعد حقبة 7 أكتوبر (تشرين الأوّل) 2023، أن يستمرّ السؤال عمّا حقّقه السلام “لنا” لمنع السؤال الأهمّ عمّا حقّقته المقاومة.

ليس في هذا الطرح دعوة إلى المقارنة المجرّدة، بل ضرورة ملحّة لإعادة تقييم المسارات المختلفة التي سلكتها المنطقة خلال العقود الماضية، ونتائجها، ولتوزيعٍ واقعيّ للمسؤوليّات عمّا وصلنا إليه.

قد تبدو فكرة السلام، في خضمّ الدمار الذي خلّفته الحروب في غزّة ولبنان، وفي ظلّ التصعيد المتجدّد في سوريا، وهماً بعيداً أو مرادفاً للاستسلام والتنازل المفرط، مقابل الترويج السهل للمقاومة المسلّحة بوصفها السبيل الوحيد لتحقيق العدالة. يزيد من “بداهة” هذه القسمة، غياب شريك إسرائيليّ في ظلّ هيمنة اليمين الديني التلموديّ على السياسة الإسرائيلية.

بيد أنّ هذا الحال الراهن، بُني على مسار طويل من التشكُّك في السلام، والعمل الممنهج، بالعسكر والتعبئة، على تقويض فرصه التاريخية التي كان يمكن لها أن تغيّر مسار المنطقة نحو الاستقرار والازدهار.

تلوح، بهذا المعنى، لحظة أوسلو عام 1993، بوصفها بارقة الأمل الأبرز لإنهاء الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي من خلال حلّ الدولتين. فقد أتاح الاتّفاق للفلسطينيّين فرصة بناء نواة دولة، للمرّة الأولى منذ نكبة 1948، بالتوازي مع اعتراف العالم، وعلى رأسه الولايات المتّحدة والاتّحاد الأوروبي، بمنظّمة التحرير ممثّلاً شرعيّاً ووحيداً للشعب الفلسطيني. وفتح الاتّفاق الباب أمام قيام سلطة وطنية فلسطينية تمارس شكلاً من أشكال السيادة والإدارة الذاتية على أجزاء من الضفّة الغربية وقطاع غزّة.

تضاعف أيضاً الدعم الدولي للفلسطينيين اقتصادياً وسياسياً، وفُتحت قنوات تفاوض رسمية في قضايا الحلّ النهائي مثل القدس واللاجئين.
ما عاد جائزاً، بعد حقبة 7 أكتوبر (تشرين الأوّل) 2023، أن يستمرّ السؤال عمّا حقّقه السلام “لنا” لمنع السؤال الأهمّ عمّا حقّقته المقاومة

تحدّيات مسار أوسلو

لم يخلُ، مسار أوسلو من تحدّيات إسرائيلية وفلسطينية، هي الابنة الشرعية لآليّات التصالح الصعب بين شعبين وكيانين يخوضان واحداً من أصعب الاشتباكات القومية والوطنية في الشرق الأوسط. لكنّ ما أقفل نافذة بناء مشروع وطني فلسطيني بالوسائل السياسية والدبلوماسية، هو التحالف الضمنيّ بين اليمين الإسرائيلي واليمين الممانع، بقيادة إيران، الذي استثمر في هجمات “حماس” و”الجهاد” الانتحارية، لإضعاف الثقة الإسرائيلية بالعمليّة السلمية، وتدمير سمعة السلطة الوطنية الفلسطينية، والدفع نحو تصعيد خيارات الرفض والتطرّف في المجتمعَين الفلسطيني والإسرائيلي. وقد جاء اغتيال الزعيم التاريخي لمعسكر السلام إسحاق رابين ليتوّج الانقلاب اليميني اليهودي والإسلامي على هذا المشروع.

لحظة الانسحاب الإسرائيليّ في عام 2000

لحظة ثانية، حمَّالة أمل، مثّلها انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان في عام 2000، بعد عقود من الاحتلال. بدلاً من استغلال هذا الانسحاب ليكون نقطة انطلاق لتعزيز السيادة اللبنانية وبناء دولة قويّة يتاح فيها لمشروع الحريريّة الوطنية تفعيل الإمكانات الاقتصادية الكامنة للبلد، اختار “الحزب” برعاية مباشرة من إيران وسوريا الأسدين تعزيز الترسانة العسكرية لـ”الحزب”، وصولاً إلى حربَي 2006 و2024، اللتين توسّطتهما فصول مدمّرة من انخراط “الحزب” في حروب المنطقة كسوريا واليمن، بكامل انعكاساتها الخطيرة على لبنان.

السلام

لاحت أيضاً لغزّة، في عام 2005، فرصة ثمينة لأن يختار المسؤولون عن شعبها مساراً جديداً قوامه الاقتصاد والتنمية والاستثمار وتطوير البنى التحتية. انسحبت إسرائيل من القطاع تماماً، وأُزيلت المستوطنات بالكامل، وتدفّقت مليارات الدولارات من المساعدات. لكنّ “حماس” اختارت تحويل غزّة إلى منصّة لإطلاق صواريخ والاستئثار بالحكم، والحرب الأهليّة مع “فتح”.

لنتذكّر أنّ الحصار الإسرائيلي والإجراءات المصرية المشدّدة حيال القطاع بدأت جزئيّاً بعد فوز “حماس” بأغلبيّة المجلس التشريعي الفلسطيني في كانون الثاني 2006. ثمّ جاءت عمليّة أسر المجنّد الإسرائيلي جلعاد شاليط في حزيران 2006 لتصادر فرص المستقبل المختلف لغزّة، من خلال استئناف التصعيد العسكري المباشر مع إسرائيل، واستدراج الحصار الشامل، وتعميق الانقسام الفلسطيني، وصولاً إلى الحرب الأهليّة المصغّرة عام 2007.
القوى الممانعة، أطالت أمد الصراع وكبّرت حجم الخسائر المترتّبة على الشعوب التي ادّعت الدفاع عن قضاياها وكرامتها ومستقبلها

إطالة أمد الصّراع

تثبت هذه الأمثلة أنّ القوى الممانعة، أطالت أمد الصراع وكبّرت حجم الخسائر المترتّبة على الشعوب التي ادّعت الدفاع عن قضاياها وكرامتها ومستقبلها.

في المقابل أثبتت مشاريع السلام الناجحة، ولو نسبيّاً، في المنطقة أنّ المكاسب الملموسة تتحقّق حين تتوافر الإرادة السياسية. فقد أنهى اتّفاق السلام بين مصر وإسرائيل عام 1979، حالة الحرب بين البلدين، وأعاد سيناء إلى السيادة المصرية، وحقّق استقراراً مستمرّاً منذ عقود منع انهيار الدولة المصرية أو تبديد مقدّراتها.

لم يكن السلام انحناءً، بل خروج محسوب من دائرة الاستنزاف العبثيّ، بعد إدراك مصر أنّ الإنجاز الجزئيّ الذي تحقّق في حرب أكتوبر لا يكتمل دون مكسب سياسي، يعيد تموضعها كدولة صاحبة قرار سياديّ مستقلّة في تحالفاتها.

في مثال أحدث، يقدّم لبنان دليلاً حيّاً على ضعف الادّعاء الأيديولوجي أنّ لإسرائيل أطماعاً لا نقاش فيها بشأن ثروات جيرانها، وأنّ الصراع معها لا يمكن أن يخضع لأيّ تسوية. ففي عام 2022، وعلى الرغم من العداء المعلن، نجح لبنان عبر وساطة أميركية في توقيع اتّفاق لترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، مكّنه من تثبيت حقوقه في حقول الغاز في شرق المتوسّط من دون اللجوء إلى حرب أو تصعيد.

مثلما نجح لبنان في حماية حقوقه، فإنّ التعاون القائم اليوم بين إسرائيل وقبرص في استغلال حقول الغاز يؤكّد أنّ الدبلوماسية، لا الجبهات، هي التي تصوغ خرائط المصالح في شرق المتوسّط.
قد تبدو فكرة السلام، في خضمّ الدمار الذي خلّفته الحروب في غزّة ولبنان، وفي ظلّ التصعيد المتجدّد في سوريا، وهماً بعيداً أو مرادفاً للاستسلام والتنازل

مسار مدمّر

إذاً يتبدّى خيار “المقاومة”، بما هو بديل عن خيار السلام، مساراً مدمّراً يدفع المدنيون الثمن الأكبر فيه. فغزّة، اندثرت بعد هجوم 7 أكتوبر وفقد عشرات الآلاف حياتهم أو مأواهم. وفي لبنان، أدّت مغامرات “الحزب” العسكرية، وتحالفاته السياسية الحامية للسلاح، إلى انهيار أكثر تعقيداً لمرتكزات الدولة والاقتصاد والمصارف والبنى التحتية وإلى الهجرة والعزلة الإقليمية، على النحو الذي أعاد لبنان إلى ما هو أسوأ من سنوات الحرب الأهلية.

عليه، لا يُسأل معسكر السلام عمّا حقّق، بل ينبغي مساءلة محور المقاومة عمّا أفضت إليه جبهات الرفض والصمود والتصدّي.

إن كانت للسلام أوجه قصور تعتريه، فإنّ مشروع المقاومة قد استوى جريمة موصوفة، إن كان بالنسبة للمسائل الجوهرية، مثل إنهاء الاحتلال، وضمان حقّ تقرير المصير للفلسطينيين، وإعادة بناء الثقة بين الشعوب، أو إن كان بحقّ أبسط معايير الكرامة الإنسانية للشعوب التي يُقاوَم باسمها.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عن سؤال “وماذا أفادنا السلام” عن سؤال “وماذا أفادنا السلام”



GMT 09:45 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

هل ينجح ترمب في تفكيك قنبلة نتنياهو؟

GMT 09:44 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

العالم جُنّ.. التكنولوجيا دمرت الأخلاق

GMT 09:41 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ولم تطرف له عين

GMT 09:39 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

داخلين على لجنة

GMT 09:37 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

من أجل المريض المصري.. أوقفوا هذا العبث

GMT 09:35 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

هل ستضرب الولايات المتحدة إيران؟

GMT 09:33 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

مصر وتركيا

GMT 09:29 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

الإعلام الغائب

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 08:10 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026
  مصر اليوم - صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026

GMT 06:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
  مصر اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
  مصر اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:39 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الثور السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:27 2025 الخميس ,21 آب / أغسطس

زعماء مصر في مرآة نجيب محفوظ

GMT 07:29 2025 الجمعة ,04 إبريل / نيسان

أهمية الإضاءة في تصميم الديكور الداخلي

GMT 05:47 2017 الخميس ,07 كانون الأول / ديسمبر

حفل زفاف مصطفى فهمي وفاتن موسى بعد عامين من الزواج

GMT 17:37 2021 الأربعاء ,18 آب / أغسطس

محمد رمضان يطرح أحدث أغانيه" على الله"

GMT 09:37 2021 الأحد ,11 إبريل / نيسان

جولة في منزل فاخر بنغمات ترابية دافئ الديكور

GMT 10:10 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

تنفيذ المستشفى الجامعي و7656 شقة إسكان اجتماعي بسوهاج الجديدة

GMT 03:03 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

رحلة خيال تحجب متاعب الواقع في معرض دبي الدولي للسيارات

GMT 21:50 2019 الإثنين ,19 آب / أغسطس

زوجة تقتل "حماها" لتحرشه بها في المقطم
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt