توقيت القاهرة المحلي 21:09:19 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ها هو التاريخ أمامك يا جبران

  مصر اليوم -

ها هو التاريخ أمامك يا جبران

بقلم : نديم قطيش

عشرون سنة لفّت قلوبنا بسوادها، كأنها دهر في مقام الرجاء الخائب.

ما أفجع موتك يا جبران تويني! لم يكن رحيلاً عن مُحبيك وأهلك وعائلتك وحدهم. كان انتزاعاً للقلب منا جميعاً، كما قال أبوك وأبونا، غسان تويني، المارد المشتعل قهراً وشيباً يوم دفنك. وكان خاتمة قسرية استوجب دفعها عنك أن تُخفض الصوت قليلاً وأن تُدرب القلم بين يديك على انحناءات لا تكسره، لكنك أبيت.

كيف لك، أيها الساذج، أن تقبل وأنت الذي يؤمن بأن الخوف لا يخالط الحبر، كيف لك وحين أدخلتنا «نهار الشباب» رميتنا في بوتقة تمرين لم نعرف مثله: رفع منسوب الحب في السياسة الخبيثة. نحن الفتية الخارجون لتوّنا من أتون حرب أهلية طحنت أرواحنا ومن قبلنا. وفدنا إلى مقام الحب مدجّجين بدعوات كراهية الآخر واستغراب لكْنته وسحنته وأفكاره، لنتعلم عندك ومعك أن الحب هو فعل المقاومة الأشد ضد مَن أرادونا ركاماً من ذاكرات مجروحة وأحقاد موروثة.

قضيت يا جبران، والأرض من حولنا ما اكتفت بعدُ من مؤامرات الجيران والإخوة وطمع الأوصياء، ومن قتلةٍ ما ارتووا ولن. لم يكن دمك إلا بعض موسم طويل. ظنوا أنه بقتلك، بعد سمير قصير، سيستتبّ لهم الأمر في بلاد الشام قاطبة، بلا كلام مزعج تستضيفه بيروت وتبني به «حيطان العمار» بين لبنان وسوريا. ظنوا أنك آخِر صرخة في برية نظام الأسد-«حزب الله» الذي حكم سوريا ولبنان. فماذا جنوا؟ فجَّر الذين فجروا سيارتك بلاداً بأكملها، بأعلى درجات «الأخوة والتنسيق» بين بيروت ودمشق، كما سنعلم لاحقاً. دفعوا كثيراً من حواضر المشرق على مفترقات التشتت والدم، وجعلوها خرائب تتقاسمها الميليشيات والغرباء وبؤس الجماجم.

لكنه وعدُ أبيك لك فوق جسدك المسجى: ليس في التاريخ - ولا القدر - منطق أو ناموس يسمح بأن تذهب الشهادة سُدى... فاصبر وانتظر في كنف الحب المؤمن الذي يُدفئ غربتك، أعرف... لن تنتظر إلى الأبد؛ لأن الأبدية صارت خلفنا ووراءك.

وها هو التاريخ أمامك يا جبران. سقط الآمرون بقتلك إما موتاً أو هرباً، وبفارق أسابيع فقط. أطبق الفخ على مَن نصَبه، وإن لم تكتمل العدالة بالشكل الذي يؤسس لوطن ودولة وجمهورية حلمت بها وما زلنا نحلم.

فلبنان، يا شهيده، لم يشفَ بعدُ من داء الانتظار المزمن، ينتظر الفرج من خارجه، ينتظر مَن يجيبه عن سؤاله الأزلي: «ماذا نريد؟»، وكأن الإرادة أحجية، أو قرار يُنتظر من عاصمة بعيدة.

وبعض الأرض، يا جبران، ما زال يستملكها مَن ولاؤهم لغير ترابها، وقرارهم أمين في ارتهانه لمن لا يعنيه إن عاش هذا الوطن أو مات. أما الصحافة، يا صاحب القلم المدجج بالكبرياء، فيتقاسم جلها من يلتمسون في الصمت القبيح شبهة العافية والسلامة، بعد أن دفعت أنت ورفاقك ثمن الإفراط في الشرف. ويشاركهم من جعلوا من النقد والتذمر صنعةً تملأ الصفحات عويلاً بلا أفق، وشكوى لا تجترح فكرة أو تشعل ضوءاً.

فماذا نريد يا جبران؟

تغير الكثير ولم يتغير شيء في الوقت نفسه. ما زلنا نريد الإرادة ذاتها. نريد أن نستعيد القرار من يد الغريب والوصيّ والعميل. نريد أن نقول «نعم» و«لا» بأصواتنا، لا بأصوات مَن يُملي علينا مصالحه. نريد أن نعود إلى بوتقتك الأولى وأن نستأنف معك حباً لوطننا لا يستسلم ولا يستكين.

وبعد، ماذا أقول لك يا جبران، في العشرين التي مرت؟

إنني قلق. قلق لأن الأمل في بلادٍ تأكل شهداءها وتنسى أسماءهم، يشبه المشي على الماء.

لكنني، في الوقت نفسه، محكوم بالأمل، كما قال المسرحي السوري سعد الله ونوس وهو على حافة الردى. وعساي أستعير سذاجتك النبيلة التي جعلتك تُصدق أن الكلمة أقوى من البارود. أستعيرها لأُصدق مثلك، ولأنني لا أحتمل البديل. أستعيرها لأحيا.

إن لم أكن متأكداً من شيء، فأنا متأكد أنك لم تمت عبثاً؛ لأنك ما زلت تؤلمني وتؤلم كثيرين ممن أحبوك. وليس للميت عبثاً أن يؤلم أحداً.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ها هو التاريخ أمامك يا جبران ها هو التاريخ أمامك يا جبران



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt