توقيت القاهرة المحلي 02:21:14 آخر تحديث
  مصر اليوم -

لحظة ساداتية لبنانية ضد الهلاك

  مصر اليوم -

لحظة ساداتية لبنانية ضد الهلاك

بقلم : نديم قطيش

أدرك الرئيس المصري الراحل أنور السادات عام 1977 ما لا يدركه معظم قادة لبنان اليوم. المواقف الرمزية سجون مريحة. حين طار إلى القدس، لم يذهب فقط إلى عدوّ الأمس، بل إلى نقطة لا عودة في التاريخ السياسي العربي. تجاوز 4 حروب؛ 1948 و1956 و1967 و1973، وقفز فوق تاريخٍ مسيجٍ بالأسطورة، وهويّة قومية صيغت حول العداء لإسرائيل. كان بإمكانه أن يظل بطل المقاومة، وأن يحافظ على صورة الزعيم الثوري، وأن تتعفن بلاده ببطء. لكنه اختار الواقع على الخطابة، والنتيجة الملموسة على البطولة، ومصلحة المصريين على قداسة الوهم. نُفي من الجامعة العربية، وقُطعت علاقات عربية معه، ولعنته التنظيمات الفلسطينية، وقتله المتطرفون. لكن مصر استعادت سيناء، وفتحت اقتصادها، ودخلت مرحلة استقرار نسبي، فيما غرق معظم مَن خاصموها في أزماتهم. وبعد عقد واحد، سار بعض ممن حاصروا السادات على طريقه، من دون أن يعترفوا بذلك في غالب الأحيان.

باكراً فهم السادات أن الشجاعة تكمن في أن تختار مستقبل شعبك ولو على حساب شعبيتك. وهذا بالضبط ما يفتقده لبنان اليوم.

فأمام لبنان فرصة غير مسبوقة: «حزب الله» متهالك، ونظام الأسد سقط، والممر الإيراني إلى المتوسط قُطع. القوى التي كبّلت السيادة اللبنانية لأربعة عقود تتهاوى. ومع ذلك، ما زال لبنان يتصرّف كأن ما تغير، لا يتيح أكثر من مجرّد مصالحة سياسية أو تسوية ظرفية، بدل أن ينجز قفزة تأسيسية تعيد تعريف معنى الدولة نفسها، وتسمح بتخيل مستقبل مؤسساتي يتجاوز الإصلاحات والتفاهمات المملة، المصممة سلفاً لتدوير النخب وإحياء ما مات من التجربة الماضية. فالبقاء في منطقة الحلول الوسط لم يعد أكثر من استراتيجية موت بطيء ومحتوم.

الفرصة سانحة لقرار دراماتيكي لا تسمح طبيعته بالتراجع عنه، يبدأ بحوار مباشر مع إسرائيل ويمر بأداء سياسي يفكك بقوة الأمر الواقع نقاط الفيتو الطائفي، ويصل إلى نقل تموضع لبنان من محور المقاومة إلى المدار العربي - الخليجي - الغربي.

لم ينتظر السادات التوافق العام، إنما خلق وقائع فرضت توافق المصريين على أولوية مبادلة المقدّس بالجوهري والحقيقي. فأيهما أهم لأغلبية اللبنانيين اليوم، إسناد غزة أم إسناد القطاعات الاقتصادية المختلفة بكهرباء طبيعية؟ تحرير فلسطين أم تحرير إمكانات لبنان الكامنة؟ فخر استيراد صراعات الإقليم، أم كرامة السيادة والاستقرار والازدهار؟

اللحظة الساداتية التي يحتاج إليها لبنان لا تتعلق بإسرائيل فقط، بل ببنية تفكير جديدة تُخرج البلد من نظام التواطؤ إلى نظام الرؤية. ما لا ينبغي تفويته هنا، هو أن السادات لم يوقّع اتفاق سلام بقدر ما أسّس للجمهورية المصرية الثانية، تماماً بمثل حاجة لبنان اليوم، إن أراد النجاة، إلى تأسيس جمهورية ثالثة.

كثيراً ما يتذرّع اللبنانيون، لتبرير العجز السياسي والتنصل من مسؤولية القرار، بأنّ بلدهم صغير، وسلمهم الأهلي هشّ، ونظامهم السياسي معقّد طائفياً.

كل هذا صحيح. لكن الواقع يقول أيضاً إن السادات لم يكن يملك أكثر مما يملك لبنان اليوم. اقتصاد ضعيف، ومعارضة صاخبة، وجيش لم يشفَ من الهزيمة رغم حرب 1973، لكنّه امتلك ما تفتقده القيادة اللبنانية الآن وهو جرأة كسر السردية السائدة. تصرف الرئيس السادات ضد المنطق المألوف، لا وفقه. خاطر باللامقبول كي ينقذ الممكن.

منذ أكثر من 4 عقود، تشكّلت 3 لحظات مفصلية في السياسة العربية الحديثة: «كامب ديفيد» و«أوسلو» و«الاتفاق الإبراهيمي»، مثلت كلّ واحدة منها، رغم اختلاف السياقات، انتقالاً من الخطابة والهوية إلى البراغماتية والمصلحة. كأن هذه المحطات الثلاث درجات متصاعدة في نضوج الوعي العربي تجاه نفسه.

حتى الآن، بقي لبنان خارج هذه المراحل كلّها، كأنّ الزمن السياسي العربي مرّ من أمامه ولم يلحظه.

من المريع حقاً رؤية لبنان يتعثّر في لحظة ما بعد «حزب الله» وما بعد الأسد من دون أن يستطيع تخيّل ما يمكن أن تصبح عليه هذه اللحظة، التي لن تظل متاحة إلى الأبد.

ثمة نقص فادح في الخيال السياسي والشجاعة القيادية، لإعطاء مستقبل اللبنانيين الأولوية على الحسابات الفئوية.

إنّ لحظة لبنان الساداتية ليست تقليداً لمصر أو الإمارات أو غيرهما، بل التحاق بزمن عربي جديد؛ حيث لم تعد العناوين الكبرى معياراً للشرعية، بل القدرة على إدارة المصالح وحماية الناس من الانهيار. الانخراط اللبناني في هذا الزمن العربي ليس تنازلاً عن الثوابت، بل عودة متأخرة إلى المنطق.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لحظة ساداتية لبنانية ضد الهلاك لحظة ساداتية لبنانية ضد الهلاك



GMT 09:14 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

برلين... زمن التوازنات بين واشنطن وبكين

GMT 06:04 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

ألغام فى خطة ترامب الإيرانية

GMT 06:02 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

فاتورة الحرب!

GMT 05:59 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

لبنان.. الحزب والحركة

GMT 05:58 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

مهما ابتعدت.. لن تسير وحدك أبدًا

GMT 05:55 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

إيران تقدر على الجنون

GMT 05:53 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

ازدحام الأفكار !

GMT 05:50 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

صورة الفنانين

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:48 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات يابانية حديثة تضفي على المنزل أجواء من الراحة

GMT 10:22 2014 الجمعة ,12 كانون الأول / ديسمبر

الحب يطرق أبواب مواليد برج "القوس" هذا الأسبوع

GMT 02:21 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

الإفراط في إطعام الطفل خطأ شائع يؤثر على صحته
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt