توقيت القاهرة المحلي 13:35:56 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أميركا أيضاً تتراشق بشهدائها

  مصر اليوم -

أميركا أيضاً تتراشق بشهدائها

بقلم : نديم قطيش

تندرج العاصفة السياسية حول زيارة دونالد ترمب لمقبرة أرلينغتون الوطنية في سياق النكايات السياسية الفظة في موسم انتخابي رئاسي. ثار الديمقراطيون، ومعهم منصات إعلامية ليبرالية، على التقاط ترمب صوراً مع أنصاره مبتسماً ورافعاً إبهامه عند قبور الجنود الذين سقطوا خلال الانسحاب الأميركي من أفغانستان، وافتعلوا نقاشاً ساخناً وحاداً حول الوطنية، والاحترام، وموقع الرموز القومية في الحياة السياسية الأميركية.

لا شك في أن مقبرة أرلينغتون تحتل موقعاً مهيباً في سردية الهوية الوطنية الأميركية، وتعامل كرمزٍ شبه مقدس يراد وضعه فوق السياسة وانقساماتها. بيد أن ذلك يشكل قفزاً بهلوانياً فوق حقيقة أن أصول المقبرة مرتبطة ارتباطًا وثيقاً بالتاريخ السياسي للولايات المتحدة، وحربها الأهلية والمصالحات التي تلتها. ليس أدل على ذلك من أن المقبرة شُيدت خلال الحرب الأهلية على أرض مصادرة من الجنرال الكونفدرالي روبرت إدوارد لي، لدفن وتكريم الجنود والضباط الذين قاتلوا من أجل الاتحاد الفيدرالي الأميركي ضد المتمردين الجنوبيين، ما يعني أن إنشاءها كان بحد ذاته «مانيفستو» سياسياً من الطراز الأول.

وما لبثت المقبرة أن ارتدت معاني أكثر شمولية لتصبح رمزاً أكبر للتضحيات التي قدمها الجنود الأميركيون في مختلف الحروب، بالتوازي مع تطور الهوية الوطنية الأميركية وقيمها. فاستقبلت المقبرة جنوداً من أصول أفريقية ونساء قضوا خلال الخدمة العسكرية بعد أن استبعدت هذه الفئات وغيرها في حقب أبكر.

والحال، تعد الانتقادات الموجهة لترمب والضجة المفتعلة حول زيارته، باباً من أبواب الغضب الانتقائي الذي يستغله السياسيون بكثير من الكيدية والنفاق، وجزءاً من حملات الاغتيال المعنوي المتبادلة. فعلى سبيل المثال ثار الجمهوريون عام 2010 على الرئيس الأسبق باراك أوباما عندما تغيّب عن إحياء «عيد الشهداء» في مقبرة أرلينغتون، على جري العادات السياسية في واشنطن، مشككين بصلابة التزامه الوطني وضعف احترامه للقوات المسلحة.

ومن زاوية أخرى، قد تكون بعض المبالغات التي دارت حول سلوك ترمب، خلال زيارته إلى أرلينغتون، تهدف إلى طمس النقاش الحقيقي حول قرارات وسياسات إدارة بايدن التي أدت إلى سقوط هؤلاء الجنود في المقام الأول، خلال الانسحاب الأميركي الفوضوي من أفغانستان. أراد ترمب للزيارة أن تكون بمثابة تذكير بفشل إدارة بايدن وتوريط الجيش في عمليات قتالية كان يمكن تفاديها، ما دفع خصومه لتشتيت الانتباه عن ذلك عبر اللعب على قيم الاحترام والوطنية والسرديات الشعبوية.

بوسع ترمب أن يدعي أن أسمى أشكال الاحترام للجنود الذين سقطوا هو رفع الصوت بوضوح بشأن الأسباب التي أدت إلى فقدانهم حياتهم، بدل التلهي «بالاستقامة الجوفاء»، والتركيز على سلوك ترمب أياً تكن قلة لياقته واستحقاقه للنقد. فلا يجوز، بحجة الوحدة الوطنية وصون القيم الجماعية في حضرة تضحيات الشهداء، أن يصار إلى تدبيج نسخ مشوهة ومبتورة للتاريخ، لا سيما عندما يتصل الأمر بصواب أو خطأ قرارات الحرب والسلم.

لكن من شنوا الحملة ضد ترمب يدركون بلا شك الموقع الحساس الذي تحتله الرموز القومية عامة، لا سيما المقابر الوطنية، في السرديات السياسية وفي نفوس الجماهير.

ففي عام 1985، واجه الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريغان انتقادات شديدة بعد زيارته لمقبرة بيتبورغ في ألمانيا الغربية آنذاك، حيث دفن عدد من الجنود الألمان الذين قاتلوا في الحرب العالمية الثانية، وبينهم جنود قوات «فافن إس إس» النازية. كان هذا الحدث جزءاً من محاولة ريغان لتقوية العلاقات الأميركية - الألمانية، لكن نقاده رأوا فيه إهانة لذكرى الجنود الأميركيين الذين قاتلوا في الحرب، في حين أن أصواتاً يهودية عدّته تقليلاً من احترام ضحايا الهولوكوست. ليس من باب المبالغة القول إن الشهداء يحكمون من قبورهم ديناميات الشأن العام في كل المجتمعات تقريباً، لا سيما حين تتحول ذكراهم إلى مصنع للمخيال الوطني والسياسي ومسرح للعبة الهوية وتعزيز الشرعيات السياسية أو نقضها.

والحال، لئن كانت مقبرة أرلينغتون، كغيرها من المقابر الوطنية، أكثر من مجرد موقع للدفن والتكريم، فإن استغلالها لأغراض سياسية ليس جديداً ولا يقتصر على طرف واحد. وإذ لا تخفى الصلة بين زيارة ترمب وبقية استعراضاته الوطنية، وبين أهدافه السياسية وخطابه الشعبوي، فإن المبالغات التي ميزت ردود الفعل عليها سيّست هي الأخرى قضية احترام الجنود الشهداء، وأمعنت في استغلالها لتحقيق مكاسب سياسية. يوضح هذا الجدل كيف أن أكثر الجوانب قداسةً في الحياة العامة تكون دوماً عرضة للتسييس في أوقات الانقسامات العميقة، كما هي الحال في أميركا اليوم. تنتصب سياسات الحداد والذاكرة، بهذا المعنى، طقساً سياسياً معقداً تشكل المجتمعات عبره الذاكرة الجماعية والهوية الوطنية والسرديات القومية، من خلال قرارات انتقائية تتعلق بمن يُذكر وكيف يُكرم، في حين يلعب السياق الزمني لعمليات التذكر دوره في التعبير عن هياكل سلطة وعلاقات القوة في لحظة وطنية ما.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أميركا أيضاً تتراشق بشهدائها أميركا أيضاً تتراشق بشهدائها



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

الضحايا المعتادون

GMT 10:17 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

ماذا تبقَّى من إمبراطورية طهران؟

GMT 10:15 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

أميركا والمونديال والحذر والقدَر

GMT 07:30 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

كلاهما يبكي على ليلاه

GMT 07:24 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

رمضان و«فوبيا» الأرقام!

GMT 07:21 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

100 يوم حرب

GMT 07:19 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

باكستان في الشرق الأوسط الجديد

GMT 07:17 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

الإجرام المجاني أصبح له ثمن

الفستان البليسيه الأبيض يتصدر إطلالات إليسا المميزة

بيروت - مصر اليوم

GMT 02:18 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ
  مصر اليوم - أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 14:29 2025 الثلاثاء ,03 حزيران / يونيو

بيراميدز يجهز مصطفى فتحي لنهائي الكأس أمام الزمالك

GMT 13:07 2025 الأربعاء ,03 كانون الأول / ديسمبر

الزمالك يتمسك باستمرار المغربي محمود بنتايج ويرفض رحيله

GMT 11:15 2023 الجمعة ,01 أيلول / سبتمبر

عام دراسي يتيم في اليمن

GMT 03:17 2018 الأربعاء ,19 كانون الأول / ديسمبر

طريقة سهلة لتحضير قشطة بانوفي المخفوقة بالبندق والشوكولاتة

GMT 02:44 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

علا غانم تقرر الانسحاب من رمضان وتنتقل للعيش في أميركا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt