توقيت القاهرة المحلي 18:42:37 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مصير لبنان يحتاج مخيلة مختلفة

  مصر اليوم -

مصير لبنان يحتاج مخيلة مختلفة

بقلم : نديم قطيش

أقفل انتخاب الجنرال جوزيف عون رئيساً للجمهورية في لبنان، وما تلاه من تشكيل حكومة برئاسة القاضي الدولي نواف سلام، فصلاً من فصول الأزمة المديدة التي ضربت الجمهورية الثانية، لكنه فتح امتحاناً طويلاً يخضع له البلد وقواه السياسية والاقتصادية.

لا إنقاذ قريب قبل أن يثق العالم بأن اللبنانيين عازمون وجادون في مسار إنقاذ أنفسهم. في المقابل يبدو أن البلد، على الرغم من بعض الخطوات الجدية، مثل إقرار قانون رفع السرية المصرفية، أو قانون استقلالية القضاء، أو الاطمئنان الجزئي لآلية التعيين في الوظائف العامة... يمارس لعبة الانتظار. ينتظرون كيف ستتبلور سوريا ما بعد الأسد، وينتظرون كيف ستنتهي حرب غزة وماهية ملامح مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني، وينتظرون نتائج التفاوض النووي بين إيران والولايات المتحدة وما سيؤدي إليه الاتفاق أو اللا اتفاق من ديناميات في المنطقة.

من غير الجائز طبعاً التقليل من تبعات هذه المسارات الثلاثة على لبنان واستقراره، المرتبط أيضاً بخيارات القوى الإقليمية والدولية المتدخلة فيه. ولكن من غير الجائز أيضاً أن يصير الانتظار مصنعاً لإنتاج الشلل، وشرعنة العجز. فثمة حقيقة جوهرية ينبغي للجميع أن يعترف بمضمونها، وهي أن قابلية مشاكل لبنان للحل أعلى بما لا يقاس من قابلية الأزمات التي ينتظر لبنان حلها لتقرير مساره ومصيره. ما ينقصنا هو توفر الخيال الاستراتيجي لإعادة رسم ما يريده لبنان لنفسه ودوره وموقعه في المسارات الكبرى التي تتشكل في المنطقة، ثم الإرادة السياسية لتنفيذ الحلول.

في هذا السياق مثلاً تكشف السجالات اللبنانية حول خريطة طريق صندوق النقد الدولي للإصلاح المالي والاقتصادي، أعطالاً بنيوية في طريقة التفكير. فوصفات الصندوق شبه جاهزة، وتتراوح بين توحيد سعر الصرف، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، وإصلاح قطاع الكهرباء لتقليص الخسائر المالية، وتعزيز الحوكمة من خلال قوانين مكافحة الفساد، وإقرار موازنات موثوقة للأعوام السابقة بهدف تحقيق شيء من الاستدامة المالية.

أياً كان الخلاف على هندسة الحلول المتعلقة بهذه العناوين وتفاصيلها الإجرائية، فإن هذا الإطار العام للحل لن يتغير بشكل جذري. ما سيتغير في الواقع هو الأثر الذي سيتركه تنفيذ هذه الحلول ضمن رؤية اقتصادية جديدة للبنان ودوره وعلاقاته بديناميات التكتلات الاقتصادية الكبرى في المنطقة، لا سيما السعودية والإمارات، بالاستناد إلى إطار سياسي مُحدث، على النحو الذي يعطي الإصلاحات المذكورة فرصة الوصول إلى الآثار القصوى لها.

الحاجة ماسّة لورشة تأسيسية في لبنان تأخذ في الاعتبار أن المنطقة تمر بتحولات كبرى اقتصادية وجيوسياسية، وأن ما حصل في لبنان في سياق هذه التحولات، من تدمير لمنظمة «حزب الله»، وسقوط نظام الأسد، وإضعاف النفوذ الإيراني... لا يقل عن «لحظة إعادة ضبط» لكل الإعدادات الخاصة بالبلد. إن أول ما تستعيده هذه الورشة، قبل نتائج أعمالها المباشرة، هو شيء من الثقة المفقودة في لبنان، إن كان من قبل المؤسسات الدولية أو من قبل الدول. فإذا نحينا جانباً مبادرات المجاملة تجاه البلد، أو الاستماع للبنان في المنظمات الدولية، سنجد أن انعدام الثقة يتجسد في مقدار التدخل التفصيلي الدولي في كل المفاصل والقرارات والإجراءات على نحو غير مسبوق.

حصل هذا علناً في سياق انتخاب رئيس الجمهورية وفرضه على جميع القوى السياسية بأعنف الأساليب السياسية وأكثرها مباشرة. وحصل خلف الأبواب المغلقة في سياق إقرار قانون رفع السرية المصرفية الذي تطلب تدخلاً في تفاصيل التفاصيل.

حقيقة الأمر أنه لم يسبق في تاريخ لبنان أن حصل مثل هذا الربط الحاد بين جهود الإنقاذ الدولي والإقليمي للبنان، بما فيها إعادة الإعمار، وبين الإصرار الحاسم على الإصلاحات بشقَّيها الاقتصادي والآخر المتعلق بنزع سلاح «حزب الله»، ثم متابعة تنفيذ الإصلاحات، بما يشبه الوصاية.

حسناً فعل لبنان بتدبيج خطاب قَسَم محترم، وبيان وزاري من القماشة نفسها. لكن المطلوب قرار استراتيجي على مستوى الدولة بأن لبنان لا يملك ترف انتظار أن تُستكمل التحولات في دول أخرى، وأن يعلن الالتحاق بالديناميات الاقتصادية الناشطة في المنطقة، عبر رؤية تربط بين إمكاناته الإنتاجية واللوجستية والمعرفية وبين سلاسل الإمداد والتوريد والاستثمار الإقليمية.

مثل هذه التصورات تستدعي مغادرة «النوستالجيا» السياسية والاقتصادية للنموذج اللبناني القديم، وإعادة ابتكار دور البلد وقيمته من دون التلهي بأعذار و«قضايا» أياً تكن حساسيتها السيادية والسياسية.

لا مكان للبنان في شرق أوسط جديد إن ظلّ يفكّر بعقلية ما بعد عام 2000، وعدم استثمار تحولات تلك المرحلة. ولا مستقبل له إن بقي يتعامل مع الإصلاح كاستجابة لإملاء خارجي لا كحاجة وطنية وفرصة لتغيير غده. على اللبنانيين، ببساطة، أن يسألوا أنفسهم إن كانوا يريدون أن يصبحوا جزءاً من المشاريع الاقتصادية والسياسية الصاعدة في المنطقة، أم أن يظلوا مجرد هوامش مُنهكة من صراعات الآخرين.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مصير لبنان يحتاج مخيلة مختلفة مصير لبنان يحتاج مخيلة مختلفة



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

الضحايا المعتادون

GMT 10:17 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

ماذا تبقَّى من إمبراطورية طهران؟

GMT 10:15 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

أميركا والمونديال والحذر والقدَر

GMT 07:30 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

كلاهما يبكي على ليلاه

GMT 07:24 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

رمضان و«فوبيا» الأرقام!

GMT 07:21 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

100 يوم حرب

GMT 07:19 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

باكستان في الشرق الأوسط الجديد

GMT 07:17 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

الإجرام المجاني أصبح له ثمن

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 02:18 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ
  مصر اليوم - أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 01:54 2026 الإثنين ,08 حزيران / يونيو

اكتشاف نظام مائي ومسجد مملوكي قرب قلعة صلاح الدين

GMT 02:42 2026 الأربعاء ,18 آذار/ مارس

أفكار لأجمل بدلات للرجل الأنيق في خزانته

GMT 08:53 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

القمر في منزل الحب يساعدك على التفاهم مع من تحب

GMT 12:03 2020 الأحد ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الثور الإثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 12:11 2023 الإثنين ,02 تشرين الأول / أكتوبر

الكتب الأكثر إقبالاً في معرض الرياض الدولي للكتاب

GMT 23:58 2019 الإثنين ,06 أيار / مايو

سيرين عبد النور تُغازل تيم حسن "شكلاً وموهبة"

GMT 06:12 2020 السبت ,24 تشرين الأول / أكتوبر

آمال بدر تكشف عن أبرز الأفكار لتزيين المنزل بـ"الباسكت"

GMT 11:07 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

موديلات أحذية عملية ومريحة لاطلالات الجامعة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt