توقيت القاهرة المحلي 09:45:04 آخر تحديث
  مصر اليوم -

محمد حسنين هيكل... نهاية أسطورة

  مصر اليوم -

محمد حسنين هيكل نهاية أسطورة

بقلم : نديم قطيش

أعاد تسجيل صوتي للرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، نُشر مؤخراً بواسطة ابنه، فتح النقاش حول شخصية الرجل وإرثه السياسي، متجاوزاً الصورة المثالية التي رسمها محمد حسنين هيكل على مدار عقود.

التسجيل الذي يعود لعام 1970 ويكشف بوضوح نقد عبد الناصر الشديد لقادة عرب وفصائل فلسطينية، سيشكلون لاحقاً «جبهة الرفض العربي»، كانوا يضغطون عليه للمضي في الحرب مع إسرائيل بدلاً من اعتماد الحلول السياسية، لا سيما بعد أن وافق على «مشروع روجرز»... أعاد طرح تساؤلات جادة عن الدور الذي لعبه هيكل في بناء أسطورة الزعيم القومي العربي وتعطيل الدروس المستفادة من تجاربه.

شكَّل هيكل، من خلال كتاباته ومقالاته وموقعه الإعلامي البارز، المرجعية الأساسية للرواية الرسمية والشعبية لحقبة عبد الناصر، مستثمراً إلى أبعد الحدود قربه الشخصي من الزعيم المصري، وشح مصادر المعلومات ووسائل الإعلام. عبد الناصر، الذي بنى هيكل صورته، هو بطل قومي لا يُقهر، رجل يتمتع بالرؤية والشجاعة والحكمة في مواجهة الاستعمار وتحديات الداخل والخارج. والأهم أن هيكل، لا سيما في كتابه «سنوات الغليان»، برر أخطاء عبد الناصر بأنها نتيجة لمؤامرات أكبر منه يمتد أبطالها من داخل فريقه الشخصي إلى أقاصي غرف المخابرات في العالم. حتى هزيمة 1967، التي اجترح لها هيكل تخفيفاً مصطلح «النكسة»، ثم طوَّره لاحقاً كإطار سياسي وإعلامي لفهم الحدث، قدّمها هيكل للرأي العام العربي بوصفها حصيلة «التآمر» على المشروع القومي العربي، جاعلاً من عبد الناصر مجرد ضحيةٍ، وليس مسؤولاً مباشراً عن الهزيمة، يستوجب أداؤه وفهمه وتخطيطه إعادةَ فحصٍ جذرية.

النكسة، كما طرحها هيكل، ليست نهاية المطاف، بل لحظة هي اختبار، وحافز لمواصلة النضال والمقاومة وفق شعار «ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة»، الذي أوصلنا إلى 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023!

غفر هيكل لناصر ما لم يغفره لمن بعده، لا سيما انتهاجه خيارات التسوية السياسية بعد الهزيمة. جعل من تفاوضه مع إسرائيل دليلاً جديداً على استثنائية زعامته نتيجة رفضه أي مفاوضات سرِّية، (اسم كتاب آخر لهيكل ينتقد فيه مسار التسوية)، وإصراره على أن يكون أي تواصل أو تفاوض علنياً وواضحاً، جاعلاً من شكل التفاوض أهم من مبدأ التفاوض نفسه! ونظَّر هيكل لفكرة أن عبد الناصر تعامل مع المبادرات الدولية، مثل «مبادرة روجرز» عام 1970، بمنطق براغماتي، وكخطوة تكتيكية مؤقتة اقتضتها ضرورات الواقع، من أجل إعادة بناء الجيش والتقاط الأنفاس، وهو عكس المنطق الذي ظهر في التسجيلات الحديثة، حيث تبدو استنتاجات عبد الناصر أكثر جذرية بخصوص الحرب والسلام والمصالح العليا وميزان القوى الدولي وموقع إسرائيل الثابت فيه.

سمعنا مراجعة بصوت عبد الناصر نفسه، تلغي آلاف الصفحات التي كتبها هيكل، وآلاف الساعات الإذاعية والتلفزيونية التي ملأ الدنيا بها، وصنع من خلالها وعياً مشوهاً للتاريخ العربي ولواحدة من أبرز محطاته التي لا تكف عن التأثير فينا.

لم تقترب أكثر صور عبد الناصر واقعية، والتي ظهرت في كتاب هيكل «الانفجار الكبير»، من أي شيء قاله عبد الناصر في التسجيلات المنشورة حديثاً، إذ ظل الزعيم العربي في نظر هيكل صاحب أخطاء تجلبها «نيّاته» الحسنة ونزاهة مقاصده على الرغم من النتائج الفادحة لخياراته.

عطَّلت نصوص هيكل، وسطوته الإعلامية والسياسية، وشراسة نقده للرئيس الراحل أنور السادات، استخلاص الدروس المستفادة من الهزيمة والأخطاء الاستراتيجية المؤدية إليها ونتائج الاعتماد المفرط على الاتحاد السوفياتي. كما رفد نص هيكل المناخات التي نتجت عن تفكك الناصرية بوصفها آيديولوجيا جامعة، وتمهيد ذلك لظهور أنظمة عربية جديدة، من رحم الناصرية، لكنها تبنت لاحقاً مواقف أكثر راديكالية أو عسكرية أو براغماتية سلطوية، مثل أحمد حسن البكر وصدام حسين في العراق عام 1968، ومعمر القذافي في ليبيا عام 1969، وجعفر النميري في السودان عام 1969، وحافظ الأسد في سوريا عام 1970.

والحال أن انتشار التسجيلات الأخيرة لجمال عبد الناصر عبر منصات التواصل الاجتماعي يتيح أن يشكل هذا الحدث المعلوماتي نقطة تحول ثقافية وسياسية في التعاطي مع التاريخ العربي المعاصر. فهذه التسجيلات، إذ تنتقل من هوامش النخب إلى مركز الاهتمام العام، تكسر احتكاراً طويل الأمد مارسه محمد حسنين هيكل على الرواية التاريخية والسياسية لحقبة عبد الناصر. فما بين أيدينا ليس مجرد تداولٍ عابرٍ لوثائق صوتية، بل هو انعكاس لتحولات ثقافية عميقة في بنية المعرفة والوعي التاريخي، في ضوء الأحداث الدموية التي نعيشها، لا سيما في غزة ولبنان وسوريا.

من حسن حظنا أن تأتي الرواية المضادة لهيكل بخصوص إرث عبد الناصر من عبد الناصر نفسه، وهو ما يعطي سرديات موازية سابقة الكثير من الراهنية الآن، ويحفز على إعادة إنتاجها.

تحضرني في هذا السياق رواية نجيب محفوظ «ثرثرة فوق النيل»، (1966)، التي تحولت إلى فيلم سينمائي بالعنوان نفسه من إخراج حسين كمال عام 1971. فبينما كان هيكل منشغلاً ببناء صورة الزعيم المثالية، يستشرف محفوظ ببصيرة أدبية دقيقة واقعاً من الاغتراب والسطحية، ومن انهيار الشعارات تحت وطأة الخواء الداخلي للمجتمع. صدرت الرواية قبل عام واحد فقط من هزيمة 1967، وكانت بمثابة نبوءة مريرة، لم تفضح فقط حدود نص هيكل الأسطوري، بل كشفت أيضاً عن عمق الهوَّة بين ما أرادت السلطة أن ترويه للجماهير، وما كان الواقع ينطق به في صمت.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

محمد حسنين هيكل نهاية أسطورة محمد حسنين هيكل نهاية أسطورة



GMT 09:45 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

هل ينجح ترمب في تفكيك قنبلة نتنياهو؟

GMT 09:44 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

العالم جُنّ.. التكنولوجيا دمرت الأخلاق

GMT 09:41 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ولم تطرف له عين

GMT 09:39 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

داخلين على لجنة

GMT 09:37 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

من أجل المريض المصري.. أوقفوا هذا العبث

GMT 09:35 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

هل ستضرب الولايات المتحدة إيران؟

GMT 09:33 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

مصر وتركيا

GMT 09:29 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

الإعلام الغائب

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 08:10 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026
  مصر اليوم - صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026

GMT 06:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
  مصر اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
  مصر اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 09:05 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء
  مصر اليوم - زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:39 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الثور السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:27 2025 الخميس ,21 آب / أغسطس

زعماء مصر في مرآة نجيب محفوظ

GMT 07:29 2025 الجمعة ,04 إبريل / نيسان

أهمية الإضاءة في تصميم الديكور الداخلي

GMT 05:47 2017 الخميس ,07 كانون الأول / ديسمبر

حفل زفاف مصطفى فهمي وفاتن موسى بعد عامين من الزواج

GMT 17:37 2021 الأربعاء ,18 آب / أغسطس

محمد رمضان يطرح أحدث أغانيه" على الله"

GMT 09:37 2021 الأحد ,11 إبريل / نيسان

جولة في منزل فاخر بنغمات ترابية دافئ الديكور

GMT 10:10 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

تنفيذ المستشفى الجامعي و7656 شقة إسكان اجتماعي بسوهاج الجديدة

GMT 03:03 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

رحلة خيال تحجب متاعب الواقع في معرض دبي الدولي للسيارات

GMT 21:50 2019 الإثنين ,19 آب / أغسطس

زوجة تقتل "حماها" لتحرشه بها في المقطم

GMT 00:06 2018 الإثنين ,10 كانون الأول / ديسمبر

غراتان المأكولات البحرية مع الشبث

GMT 12:07 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الجبلاية تستقر على خصم 6 نقاط من الزمالك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt