توقيت القاهرة المحلي 23:41:42 آخر تحديث
  مصر اليوم -

“الحزب” إذ ينتحر عند صخرة الرّوشة

  مصر اليوم -

“الحزب” إذ ينتحر عند صخرة الرّوشة

بقلم : نديم قطيش

إعلان “الحزب” عزمه على عرض صورتَيْ أمينَيه العامَّين حسن نصرالله وهاشم صفيّ الدين، على صخرة الروشة في بيروت، بمناسبة الذكرى الأولى لاغتيال نصرالله، والذي قوبل باعتراضات واسعة، يكشف مأزق “الحزب”، بين طبيعته الإقليميّة المتجاوزة للهويّة اللبنانيّة وحاجته اليوم إلى التلاعب بهذه الهويّة التي لطالما تعارض معها.

تجاوزت صخرة الروشة كونها تكويناً طبيعيّاً يزيّن واجهة بيروت البحريّة، لتصير صورة مركّبة جمعت الرمز الاقتصاديّ بالفنّي والسياحيّ. حضرت في الأغنية والفيلم والمسرح والذاكرة الجماعيّة. ظهرت على العملة اللبنانية من فئة العشر ليرات في الثمانينيّات، ثمّ على فئة المئة ألف عام 2020 احتفاءً بمئويّة لبنان الكبير.

في ذروة خمسينيّات وستّينيّات القرن الماضي، صارت الروشة كنايةً عن تحوّلات لبنان الاقتصاديّة والخدميّة، حين نهضت حولها منطقة فخمة تحتضن الفنادق الكبرى والمطاعم والمقاهي التي جذبت الأثرياء والفنّانين العرب. قبالتها، غنّى عبدالحليم حافظ “جانا الهوى جانا” بجوار ناديا لطفي، في مشهد الختام في فيلم “أبي فوق الشجرة”، بالإضافة إلى عشرات الأغنيات التي خصّت الروشة بالذكر، والأفلام التي وظّفتها كموقع تصوير مليء بالمعاني والإسقاطات.

محت الحرب الأهليّة الكثير من معاني الروشة في سياق محوها أيقونات لبنان المتعدّدة الأبعاد، والتي تختزل الجمال الطبيعيّ، وتاريخ البلد، ووجهه الثقافي. لكنّ موقع الصخرة ظلّ عصيّاً في الذاكرة الجماعيّة، كعلَم يجسّد لبناناً متخيّلاً ومشتهى، و”مقدّساً مدنيّاً” للّبنانيين، يثير انتهاكه رفضاً جماعيّاً يتجاوز الانقسامات.

فرض الهيمنة الأيديولوجيّة

عُدَّ التوجّه لإضاءة الصخرة بصورتَي الأمينّين العامَّين، محاولة واعية لإعادة تعريف الهويّة الوطنيّة اللبنانية وفرض هيمنة أيديولوجيّة خاصّة على فضاء بيروتيّ عامّ، يشكّل عمليّاً النقيض الموضوعيّ للبنان “الحزب”. كما يُفهم هذا التوجّه كجزء من استراتيجية أوسع لإعادة بناء هيبة “الحزب” المفقودة والتعامل مع الأزمة الوجوديّة التي يواجهها بعد الهزيمة الساحقة التي تلقّاها في حرب 2024، والتي شملت مقتل قياداته الرئيسيّة وتدمير بنيته العسكريّة.
يكشف مأزق “الحزب”، بين طبيعته الإقليميّة المتجاوزة للهويّة اللبنانيّة وحاجته اليوم إلى التلاعب بهذه الهويّة التي لطالما تعارض معها

“الحزب” ليس أوّل أو آخِر الجماعات السياسيّة التي تلجأ، عندما تفقد قوّتها الفعليّة على الأرض، إلى المعارك الرمزيّة كوسيلة لتأكيد استمراريّتها وحيويّتها، ولصرف الانتباه عن الفشل المادّي بالاتّكال على “الانتصار” الرمزيّ. إنّنا بإزاء محاولة استرداد الهيمنة المفقودة عبر القهر السياسي وتعويد اللّبنانيّين على رؤية رموز فئويّة تحتلّ الفضاء العامّ، كالمطار وطريقه سابقاً، وصخرة الروشة الآن.

الحزب

السيطرة على الرموز الوطنيّة وإخضاعها لتأويلات جديدة هي محاولة لإعادة تشكيل الوعي الجماعيّ اللبنانيّ، وطريقة فهم اللبنانيّين لتاريخهم وهويّتهم ومستقبلهم.

مقاومة مجتمعيّة حقيقيّة

عليه تشير الاعتراضات الواسعة التي قوبل بها توجّه “الحزب” هذا، رغم قوّة الضغط الذي يمارسه عبر إعلامه ونشطائه في الفضاء الرقميّ، إلى وجود مقاومة مجتمعيّة حقيقيّة لهذا النوع من الهيمنة الرمزيّة، وعلى نحو يتجاوز الحدود الطائفيّة والسياسيّة التقليديّة، ويندرج في إطار لبنان أعرض وأوسع من لبنان “الحزب”.

في المقابل يأمل “الحزب” إن نجح في فرض هيمنته الرمزيّة على الروشة أن يفتح الباب أمام محاولات مشابهة لاحتلال مساحات ورموز وطنيّة أخرى، تُعينه على إعادة ترميم هيبته التي تضرّرت كثيراً ووصل تهاويها إلى حدود الطلاق العلنيّ مع سلاحه، وإخضاع هذا السلاح لاستراتيجيات المصادرة والنزع والحصار.

ليس من المبالغة القول إنّ ما يجري حول صخرة الروشة أكثر من مجرّد جدل حول صورة أو رمز، بل معركة حقيقيّة على طبيعة لبنان ومستقبله، وعلى توازن القوى فيه. وهو، في الحدّ الأدنى، مؤشّر إلى أنّ من أوصل اللبنانيّين إلى ما وصلوا إليه لم يتعلّم حرفاً من دروس الهزيمة التي لحقت به وأنهكت البلد.

إقرأ أيضاً: من الرّوشة إلى الرّياض: ضاقت آفاق “الحزب”

بين صخرة الروشة و”الحزب” خيط واحد: الانتحار. الصخرة التي ارتبطت أيضاً في وجدان البيروتيّين بقفزات يائسة نحو الموت، يمكن أن تتحوّل اليوم إلى مرآة لانتحاريّة “الحزب”، لا أكثر ولا أقلّ.

لم يخلق القفز اليائس من جوارها أبطالاً، ولم تقدّم لنا قفزات “الحزب” إلّا جثّة الوطن.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

“الحزب” إذ ينتحر عند صخرة الرّوشة “الحزب” إذ ينتحر عند صخرة الرّوشة



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt