توقيت القاهرة المحلي 03:19:16 آخر تحديث
  مصر اليوم -

حول الأثر المتجدد للفلسفات الحيّة

  مصر اليوم -

حول الأثر المتجدد للفلسفات الحيّة

بقلم : فهد سليمان الشقيران

لا يزال تأثير فلسفة نيتشه يتجدد؛ الدراسات والحوارات، والشروحات تصدر عنها باستمرار. عن النظريات الخارقة التي ابتكرها، والأسلوب الجديد، والشذرة المكتنزة. جيل دلوز رأى أن الفيلسوف هو «شاعر المفاهيم»، ونيتشه قاد رحلة «شعرنة الفلسفة»، وهي الآلية التي أُعجب بها مارتن هيدغر في بعض كتاباته، وفي طريقة قراءاته لشعراء عصره، فهيدغر كتب النصوص الشعرية علاوة على «شعْرنة الفلسفة» لتصبح مدججة بالصور والرموز ومحاطة بهالة من الغموض الساحر، غير أن تلك «الشعْرنة» لا تحوّل النص إلى محض خيال. فشعْرنة نيتشه، داهمت كل الفلسفات والفنون.

الفلسفة ليست كيانات منفصلة أو قبائل متناحرة، وإنما وحدات تتعدد؛ لذا كتب جيل دلوز: «نرى ماركس، والقبسقراطيين، وهيغل ونيتشه، يمسك بعضهم بأيدي بعض في رقصة دوارة تحتفل بتجاوز الميتافيزياء».

قبل أيام قرأتُ حواراً مهماً مع ميشال أونفري، أجراه فرانز أوليفييه غيسبيرت، وترجمه لصالح مجلة «حكمة» الحسن علاج.

فيه عرّج أونفري على تجربته الطويلة مع نصوص نيتشه وفلسفته ونظرياته. رأى أن المرء ينبغي عليه «أن يقتفي أثره الخاص. الإنسان الذي أكد في (هكذا تكلم زرادشت) أنه ينبغي على المرء أن يبتكر الحرية -إنه البرنامج الوجودي طيلة حياة بكاملها وهو برنامجي أيضاً- ليس معلماً متسلطاً، إنه نموذج كما هو الشأن في الفلسفة القديمة برمتها، حيث لم يكن التفلسف يكمن في الإطناب، أو الثرثرة، أو كتابة كتب فلسفة، بل أن يعيش المرء حياة فلسفية، وأن يعيش حياة ملائمة، متوافقة مع ذاته عينها. أشاد نيتشه بفضيلة قلّما يتم الحديث عنها، لدينا معرفة ضئيلة بها، أو تكاد تكون منعدمة، علاوة على ذلك صعوبة الاسم، الذي هو الاستقامة، ألا وهو: المصداقية المُرتابة. الاجتهاد في عيش حياة نزيهة، ذلك ما أحتفظ به لنفسي منه».

ويلخص أونفري رؤيته عن نيتشه بقوله: «يتحدث نيتشه، في بداية كتابه زرادشت، عن تحولات ثلاثة: ينبغي على المرء أن يكون جملاً لحمل أثقال الماضي، ثم أسداً من أجل التخلص من هذا الماضي، بهدف التحول إلى طفل بمعنى بلوغ (براءة الصيرورة)، التي تسمح بابتكار فلسفة جديدة. إن هذه الجدلية في مراحل ثلاث، بمعنى جدلية هيغلية لا تزال، ولو أنها ما بعد هيغلية، هي جدلية نيتشه ذاته، التي تمنح بطريقة مُشفَرة، كما هو في غالب الأحيان، مفاتيح عمله برمته».

لكن ما زمن الجمل لدى نيتشه؟!

«يعد زمن الجمل لديه هو زمن قارئ شوبنهاور، حيث يضع كتّاب العالم كإرادة وتمثل رهن إشارته وجهات نظر فلسفية جديدة: حيوية أحادية، هي حيوية الإرادة التي تجعل الثنائية القديمة اليهودية - المسيحية متجاوزة، والتي تقدم تفسيراً لحيوية لما يوجد، هذه الإرادة الشهيرة، التي هي ليست إرادة علماء النفس، قوة الاختيار، الإرادة، بل قوة تجعل من كينونة الكائن ممكنة؛ فلسفة تراجيدية يتقاسم السأم والمعاناة، بمقتضاها، حياة كل إنسان، لكنها تؤكد في نفس الوقت التأمل الجمالي بشكل عام، والموسيقي بشكل خاص، تسمح بتأمل حتمية السلبية. وهو أيضاً الزمن الفاغناري حيث التقى الكاتب المسرحي، ويرى أنه بإمكانه العمل معه كي يجعل من الأوبرا، مناسبة لإضفاء الجمالية على السياسة، انطلاقاً من الأساطير، كما فعل الإغريق مع مسرحهم. إنه زمن ولادة التراجيديا».

بينما «يعد زمن الأسد زمناً أبيقورياً. لقد واصل الصداقة المحطمة مع المؤلف الموسيقي الألماني، الذي لم يجعل من مدينة بايرويت مختبراً، لبناء سياسة انطلاقاً من الموسيقى الألمانية التي تخصص لتعزيز دينامية أوروبية، بل مكاناً مكرساً لشخصه، مع الطبقة الأكثر ثراء، التي موَّلت مشروعه. إنه زمن كتاب المعرفة المرحة، والصداقة الأبيقورية، متأثراً بالفكر الفرنسي؛ فولتير والأخلاقيين الفرنسيين».

أما «زمن الطفل فهو زمن الفلسفة النيتشوية الحقة، إنه زمن إرادة القوة، والعود الأبدي، والإنسان الأعلى، ومحبة القدر كإيثيقا إنسان جديد، وقد تخلص من الجِمال والأسود، إنه بالتأكيد زمن كتاب (هكذا تكلم زرادشت)، قصيدة عظيمة ومذهلة».

لكن من تجربته ما الكتاب المفضل لديه من كتب نيتشه؟!

يجيب بطريقة مركّبة: «أعتقد أن القارئ فهم أن الأمر يتعلق بكتاب (هكذا تكلم زرادشت)، إلا أنه ذلك الكتاب الذي ينبغي عبره الختم، حينما يكون المرء قد قرأ كل كتبه! إنه كتاب المعرفة المرحة، وذلك من خلال مقدمته الرائعة، وعلاوة على ذلك، فإنه يقوم بتركيز كل ما قام به نيتشه: خفة، عمق، أسلوب، أناقة، حيوية، صفاء، جذرية».

الخلاصة، أن الأثر الذي تسبب به نيتشه كبير جداً، حتى هو حين قال عن نفسه: «أعرف قدري... ذات يوم سيقترن اسمي بذكرى شيء هائل رهيب؛ بأزمة لم يُعرف لها مثيل على وجه الأرض، أعمق رجّة في الوعي... فأنا لست إنساناً، بل عبوة ديناميت» -حينها- ربما توقع أن يكون له أثره الكبير لكن ليس إلى هذا الحد المتواصل والمتجدد.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حول الأثر المتجدد للفلسفات الحيّة حول الأثر المتجدد للفلسفات الحيّة



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt