توقيت القاهرة المحلي 10:57:01 آخر تحديث
  مصر اليوم -

سؤال الحقيقة و«ماهيّة التقنية»

  مصر اليوم -

سؤال الحقيقة و«ماهيّة التقنية»

بقلم - فهد سليمان الشقيران

لطالما ارتبط اسم الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر بأسئلةً مزلزلة للبناء النظري الذي سبقه. انشغل مبكراً بالحقيقة وطوّر سؤالها ليكون مبناه كالتالي «ضرورة السؤال عن ماهيّة الحقيقة انطلاقاً من بدء تاريخ الحقيقة» كما هو عنوان الفصل الرابع من كتابه:«الأسئلة الأساسية للفلسفة-مشكلاتٌ مختارة من (المنطق)» والكتاب عبارة عن محاضرةٍ في فرايبورغ لدورة الشتاء عام 1937.
كتب هيدغر في الصفحات من (205) ومابعدها عن ضرورة: «تغيير اتجاه التساؤل النقدي عن الحقيقة نحو بدء تاريخ الحقيقة بصفته قفزاً مسبقاً إلى المستقبل، بوصفها ماجرّبه مفكروا اليونان من غير أن يسألوا عنه».
ثم يشرح كيف أن مفكري اليونان كانوا يعرفون الحقيقة بمعنىً مزدوج؛ أولاً: بصفتها «تجلي الكائن» أي عدم اختفاؤه، وثانياً: بصفتها توافق التمثّل والكائن، بصفتها صواباً، ثم يتحدّث عن معنى الصواب في سؤال الحقيقة.

هذا تفصيله طويل، ولكن يهمني هنا سريعاً كيف يمكن لسؤال الحقيقة أن يتمدد حتى وصل تأثيره لنقاش هيدغر المبكّر حول التقنية؟!
في الجزء الثاني من مؤلفه: «كتابات أساسية» خصص فصلاً بعنوان:«السؤال عن التقنية». وفي صفحة (154) يرى أن:«انتماء التقنية إلى مجال الحقيقة يثير في البداية استغرابنا، وهذا يعود إلى أننا نكون-عادةً-مأخوذين بالتقنية إلى حد أننا لانهتم إلا بما هو تقني، وما يهمنا عادة في التقنية هو منفعتها ومردوديتها، ووسائلها في الإنتاج وأساليبها في العمل والتنظيم، أما ماهيّة التقنية فلا نعبأ بها في العادة، إننا من شدة تعلقنا بالتقنية نُغفل السؤال عن ماهيّتها، والآن عندما تساءلنا عن ماهيّة التقنية وتابعنا التساؤل خطوةً خطوة وصلنا إلى الأمر الذي أثار استغرابنا وهو أن مجال ماهيّة التقنية هو الحقيقة».
هنا مربط الفرس لدى هيدغر بين الحقيقة والتقنية. وكلا النصّين حول الحقيقة والتقنية صدرا في الثلاثينيات؛ بمعنىً آخر فإن هيدغر يعتبر التقنية بماهيّتها متداخلة مع البحث في الحقيقة، وهذا لايعني أن نبحث في التقنية كتطوّر تكنولوجي بحت، وإنما أن نركّز على المعنى الأعمق الذي تبثّه في تحدياتها وتدخّلها بصياغة حقائقنا وأثرها في تبويب وجودنا.
في حوارٍ أجراه ريتشارد فيسر مع هيدغر بعنوان:«الفلسفة والمجتمع والتقنية والكائن». ترجمه الأستاذ إسماعيل المصدّق اختصر هيدغر ذلك الربط بقوله:«يجب أن أقول في البداية بأنني لست ضد التقنية...إنني أرى في التقنية، وبالضبط في ماهيتها، أن الإنسان يوجد تحت قوة تتحداه ولم يبق حراً إزاءها، وأن أمرا ما يعلن في ذلك عن ذاته، هذا الأمر هو علاقة للكون بالإنسان، وأن هذه العلاقة التي تختفي في ماهية التقنية ربما ستظهر للنور ذات يوم».

الخلاصة؛ أن هيدغر أعطى للتقنية ماهيّتها، وبالتالي فإن العمليّة الاستعمالية لمنجزها لن تمنحنا القدرة على فهم معناها. وهذا التحدّي الذي نعيشه الآن. لم تتقدّم البحوث الفلسفية بالشكل الكافي لمواكبة كل المستجدّات التكنولوجية لتجاوز معانيها الاستعماليّة إلى فهم ماهيّتها، ودرس علاقاتها بصياغة حقائقنا، وتداخلها مع وجودنا.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

سؤال الحقيقة و«ماهيّة التقنية» سؤال الحقيقة و«ماهيّة التقنية»



GMT 10:50 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تحولات

GMT 10:49 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوعٌ: باب الدموع ومنادب البردوني

GMT 10:48 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

كم تبلغ قوة القانون الدولي؟

GMT 10:47 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين؟

GMT 10:46 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

إيران: 6 سيناريوهات لحرب أخرى؟

GMT 10:45 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

العراق... نظام 2003 وأزمة النخب السياسية

GMT 10:44 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

طعام أهل الجنة

GMT 10:43 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

قضايا شعلتها لا تنطفئ

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 22:36 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج العقرب الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:39 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الجدي الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 19:58 2024 الأربعاء ,08 أيار / مايو

حسين الشحات مهدد بالحبس فى أزمة الشيبى

GMT 14:15 2023 الخميس ,07 أيلول / سبتمبر

فيلم "ساير الجنة" في نادي العويس السينمائي

GMT 16:19 2015 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

سعاد سليمان تحصد جائزة خوان كارلوس للقصة القصيرة

GMT 04:49 2023 الجمعة ,13 كانون الثاني / يناير

حكيمي وصلاح ضمن المرشحين لجائزة أفضل لاعب في العالم

GMT 03:05 2019 الثلاثاء ,22 كانون الثاني / يناير

الغالبية المتحركة وضعف الأحزاب التقليدية المصرية

GMT 19:48 2016 الأربعاء ,28 كانون الأول / ديسمبر

عجوز ترتدى فستان زفافها في الإسكندرية وتحجز قاعة فرح

GMT 04:06 2017 الإثنين ,09 تشرين الأول / أكتوبر

نادي يوفنتوس يبحث عن وسيلة للتعاقد مع باولو ديبالا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt