توقيت القاهرة المحلي 13:36:40 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مراد وهبة وسؤال التقدّم

  مصر اليوم -

مراد وهبة وسؤال التقدّم

بقلم : فهد سليمان الشقيران

لم تكن سير الفلاسفة متشابهة قط؛ وإنما ثمة تلاقٍ في بعض المشاريع والأفكار وسياسات التوظيف للمفهوم، ومن أولئك المتمكنين الذين ما كان صيتهم ذائعاً على النحو الذي يستحقه الفيلسوف الراحل مراد وهبة الذي غادر دنيانا في السابع من يناير (كانون الثاني) الماضي. لم تكن مكتبته الموسوعية والفلسفية هي الأساس، وإنما أثّر على حضوره في المجال العام شخصيّته المنطوية التي فضّلت الإنتاج المنضبط على القول المفرط والثرثرة اليوميّة كما تورّط بذلك بعض مجايليه.

على سبيل المثال، كتب عنه الأستاذ سليمان جودة بهذه الجريدة مقالةً بعنوان: «ذكريات رحلة في رفقة فيلسوف» أركّز على نصّه التالي: «عاش الدكتور وهبة أقرب ما يكون إلى الفيلسوف اليوناني ديوجين، الذي قيل عنه إنه كان يقطع شوارع أثنيا في عز النهار ممسكاً بمصباح في يده، فإذا سأله أحد عما يفعل رد بأنه يفتش عن إنسان. وقد كان القصد أنه يريد إنساناً بالمعنى المكتمل للفضائل التي لا بد أن يحملها الإنسان وهو يسعى بين الناس، وعندما جاء الإسكندر الأكبر يسأله عما إذا يريد شيئاً كان رده: أريدك أن تتنحى بعيداً لأنك تحجب الشمس عني! كان مراد وهبة يشبه ديوجين بمصباحه الشهير في يده، وكان مشغولاً بالبحث عن موقع العقل بيننا، ولم يكن يجده إلا بشق الأنفس، وعاش يحمل لقب (حفيد ابن رشد) فأصابه بعض ما أصاب ابن رشد، واستهدفوه في حياته كثيراً وفي مماته أكثر!».

بينما يرثيه الأستاذ سمير عطا الله في مقالةٍ له بعنوان: «قرنٌ من الفلسفة» بقوله: «ودّعتْ مصر أشهرَ مفكريها الأحياء الدكتور مراد وهبة عن قرنٍ كاملٍ عاشه في الفلسفة والأدب وحياة الفكر والحبر. اجتمع في وداعه قلةٌ من الرفاق والزملاء والمعجبين وأساتذة الفلسفة، فالرجل كان منغلقاً على عالمه لا يخرج منه إلا لماماً، لحضور مؤتمرٍ هنا أو إلقاء محاضرةٍ هناك. وكما هو متوقعٌ حفل الغياب بالرثائيات التي كتبها الرفاق والزملاء وأهل الفكر وكانت جميعها من قبيل الثناء والتعبير عن الاحترام لعطائه وأدائه معاً».

نعم بالتأكيد؛ كان مراد وهبة قليل الظهور في الإعلام ومبتعداً عن الاستعراض الأكاديمي، والندوات الكثيفة. فضّل العمل من أجل الإجابة عن مجموعةٍ من الأسئلة، ومن آخر ما تابعتُ له حوارٌ تلفزيوني نادر يتحدث فيه عن سؤال التقدّم وقد خلص إلى نتيجةٍ، قصيرة في مبناها كبيرة في معناها، إذ يرى أن «العقل العربي ديني في التقدم وعلماني في التخلف».

لقد انحصر سؤال التقدم بفرقتَين، بين مَن تعدّ التراث حل الحلول، ومَن ترى في القطيعة نقطة الانطلاق، ولكن الأزمة أن فرقة الحلول لم تشرح ما هو فاعل، وفرقة القطيعة الجذرية لم تعطِ تعليلاتها ولم تشرح مفهومها. والقطيعة في بيئتها الغربية ظلّت محل إشكال مفهومي، إذ لا يمكن تصورها جذرياً بالمعنى «الإبستمولوجي».

طوال القرون في تاريخنا كان لكل مفكرٍ جوابه حول سؤال التقدم، ومعالجته الخاصة لفكرة تطوّر الآخر، ومعظم الإجابات تنطلق من مخيال معيّن حول طريقة التعامل مع التراث.

فضلا عن نظريّة مراد وهبة آنفة الذكر فإنه وفي عام 1979 ألّف فهمي جدعان كتابه «أسس التقدم عند مفكري الإسلام»، وفي التصدير قسّم المراحل الثقافية والاجتماعية التي مرّ بها تاريخ الإسلام إلى حقبٍ أربع: مرحلة التنوير الديني وبناء الحضارة، ومرحلة التوقف الحضاري والتوازن، ومرحلة اختلال التوازن والانحطاط، ومرحلة اليقظة والنهوض. وأبحر في مجالاتٍ وضعها ضمن سبع وحداتٍ موضوعية هي: ميتافيزيقا التقدم، والحقيقة والتاريخ، والدخول في الأزمنة الحديثة، والتوحيد المحرر، ودروب الفعل، والقيم، والإسلام والمستقبل.

الخلاصة؛ أن سؤال التقدّم دفنَ معه الكثير من الفلاسفة من دون إجابة حاسمة، ولكن بنظري أنه سؤال تحريضي وتحفيزي أكثر منه أكاديمي أو مدرسي.

بمعنىً آخر فإن كل محاولة نهضوية خارج الأطر التقليدية هي إجابةٌ عن السؤال بطريقةٍ أو بأخرى. إن سؤال التقدم من طينة الأسئلة المستدامة العصيّة على الجواب، لذلك فإن كل إجابةٍ عن مفهوم التقدم تقدّم فكرة نهضوية ضمن ظرفٍ حاليّ، ولكلٍّ طريقته في شرحها والتنظير لها منذ ابن رشد وإلى مراد وهبة ومن بعدهما من المتسائلين الطموحين.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مراد وهبة وسؤال التقدّم مراد وهبة وسؤال التقدّم



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 18:53 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج العقرب الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:39 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الثور الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:59 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الدلو الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:36 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الحمل الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:56 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الجدي الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 19:01 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الحوت الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 05:07 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج القوس الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:13 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الجدي الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:01 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الأسد الميزان 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 04:24 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الثور الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 18:54 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج القوس الخميس 06 أغسطس/ آب 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt