توقيت القاهرة المحلي 05:44:28 آخر تحديث
  مصر اليوم -

التفوّق الرياضي على الخبَر السياسي

  مصر اليوم -

التفوّق الرياضي على الخبَر السياسي

بقلم : فهد سليمان الشقيران

منذ بدء مباريات مونديال كأس العالم وأحاديث الرياضة تطغى على الخبَر السياسي؛ أو المستجدات العسكرية، أو الاتفاقيات والمحادثات. ما عادت هي الأولويّة للناس الباحثة عن البهجة والحيويّة الدنيوية، فتلك أمورٌ يحلّها القادة ويحسمها الساسة بنظرتهم وبصيرتهم وحنكتهم.

مع الحدث الرياضي الأكبر توجّه السواد الأعظم نحو تحليل كل دوْرٍ من بطولة المونديال، ودخل الصغار والكبار محاولين رسم تكتيكاتهم وخططهم حول هذه المباراة أو تلك.

والحقّ أن الرياضة فيها ملاذٌ وسلوى للناس من إرهاق أعمالهم وفيها انفكاك عن التركيز الذي تفرضه عليهم مشاغلهم، وبرأيي أن هذا هو الأصوب. إن توغّل الناس بالمواضيع السياسية ليس من شأنهم على الإطلاق، نعم يحقّ للمتابع أن يقرأ بعض الأخبار وأن يتابع كغيره، بيد أن تسييس الذات وادعاء امتلاك الحلول من قبل العوام فيهما جناية على الصالح العام.

ثمة قادة وسياسيون يقودون بلدانهم إلى برّ الأمان على الناس الثقة بهم وعدم انخراط العامّة فيما ليس من شأنهم لأن هذا يصنع التشويش.

وبالعودة إلى الرياضة فإنها لم تسحب الناس العاديين من المتابعة الخبرية السياسية، بل أخذت حتى النخب والمختصين في العلوم الأخرى وجذبتهم نحو ساحاتها.

من يتخيّل أن يعكف فيلسوف على تحليل فريق «برشلونة»؟! نعم هذا ما قام به هانز أولريش غومبريخت في بحثٍ بعنوان: «الفلسفة وأسلوب برشلونة» وترجمه لصالح «مجلة حكمة» الأستاذ: عبد الحميد محمد الذي كتب في مقدمة ترجمته: «أن يكتب فيلسوفٌ ما عن كرة القدم فليس في الأمر مفاجأة كبرى بخاصة حول شعبية كرة القدم كما فعل الكاتب الأوروغواياني إدواردو غاليانو وغيره. هانز أولريش غومبريخت، الكاتب والفيلسوف والصحافي الألماني وبعد ذهابه للإقامة في أميركا والتدريس في جامعاتها أصبح مشجّعاً لكرة القدم الأميركية».

أما عن لبّ نظرية هانز: فقد وُصفت نظريته بـ«المفارقة الإبداعية لكرة القدم المعاصرة»، فهو يرى في هذه النظرية أنّ الإبداع في كرة القدم يحتضر، فـ«كلّما لُعبت كرة القدم بشكلها النموذجي (تكتيكات وتشكيلة اللاعبين ونظام اللعب) الأمثل، باتت الحاجة إلى الإبداع أكثر إلحاحاً (لخلق التحدي وأحداثٍ غير منتظرة وغير متوقّعة)، وبالتالي زادت صعوبة الأمر على اللاعبين المبدعين».

تعليقي على هذه النظرية بنقطتين؛ الأولى: أن الرياضة وكرة القدم قدمتا حوافز دنيوية لتحقيق الذات وباللعب تختبر حدود وجودها، رأينا كيف يُعدّ اللاعب أيقونةً في بلاده فحين يتميّز يقدرونه لدرجةٍ تذكّرك بالهالة التي يصنعها الإغريق على أولئك المبدعين في شتى الفنون، فهم مثل الطفرات الخاصة التي لا تولد كل يوم، ورأينا كيف استعمل الساسة البرتغاليون نجوميّة كريستيانور رونالدو في المحافل الدولية وأبرزها المزاح الذي دار بين الرئيس البرتغالي لاتمارسيلو ريبيلو دي سوزا والرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض.

الثانية: أن النمط الشعبي الذي تطرحه الرياضات ذات الجماهيرية العالية ككرة القدم الأميركية أو كرة السلة وكرة القدم، مكّن الناس من تجديد أفكارهم من دون أن يشعروا، على سبيل المثال طرحت كرة القدم عبر العقود دروساً في احترام شتى الأديان، ورسّخت بما أمكنها من نظمٍ وقوانين الروح الرياضية والتعامل الأخلاقي حتى مع أعتى الخصوم، وليس انتهاءً بمحاربة العنصرية المقيتة مع ظهورها أحياناً، والقضاء التام عليها لا يزال هو التحدي الأصعب في مجال الرياضة. ثم إن الرياضة تعوّد الأجيال على «النسبية» فما من فوزٍ دائمٍ ولا خسارة مستمرة، فهي مثل الوجود تجعل المتابع واللاعب في حال نزالٍ مبنيّ على الاستعداد أولاً، ومن ثم انتظار النتيجة، ومن بعدُ يتكشّف للكل من المنتصر ومن هو المهزوم، وعلى إثر ذلك تتفجر أسئلة الأسباب والنقد والمراجعة وجردة الحساب بغية التقييم والتصويب.

الخلاصة؛ أن توافد الناس على الخبر الرياضي في هذا المونديال بعد انشغالهم المبالغ به قبل انطلاقه في المستجدّ السياسي يؤكد على أن للرياضة سحرها في صوغ علاقات الفرد بدنياه وبصناعة يومه. وهذه واحدة من إيجابيات الرياضة حيث تأخذ الإنسان لا شعورياً إلى مجاله الطبيعي بعيداً عن الدخول في مجالاتٍ أكبر منه.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

التفوّق الرياضي على الخبَر السياسي التفوّق الرياضي على الخبَر السياسي



GMT 02:57 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

بديل السياسة الغائبة

GMT 02:56 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

مبارك بين عادل إمام ومحمود عبدالعزيز!!

GMT 02:54 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

عصر ما بعد الموتوسيكلات

GMT 02:52 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

الوساطة مازالت ممكنة لكن بشروط

GMT 02:50 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

زيارة قصيرة للساحل!

GMT 02:48 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

إلى أين نذهب؟

GMT 02:47 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

أفتقد هؤلاء

GMT 02:45 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

صراع فى الفضاء!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 09:53 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

توقف مرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 16:18 2023 الإثنين ,18 أيلول / سبتمبر

العراق فاتحاً ذراعيه لأخوته وأشقائه

GMT 07:12 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

هل للطفل مطلق الحرية ؟

GMT 10:17 2024 الإثنين ,30 كانون الأول / ديسمبر

أسماء الأسد ممنوعة من دخول بريطانيا

GMT 08:33 2016 السبت ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

هشام عز العرب يرحب بإلغاء العمولات على تحويلات المصريين

GMT 20:47 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

مؤشرا البحرين يقفلان التعاملات على ارتفاع
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt