توقيت القاهرة المحلي 23:32:18 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مع هيغل حين ضرب الآيديولوجيا الماكرة

  مصر اليوم -

مع هيغل حين ضرب الآيديولوجيا الماكرة

بقلم : فهد سليمان الشقيران

في القرن الثامن عشر الميلادي هيمن الفيلسوف هيغل على هيكليّة النظريّة الفلسفية في كل أوروبا تقريباً. حاول شبنهاور منافسته وفشل. لقد غيّر هيغل مسار الفلسفة وورّط كل من جاء بعده بمن فيهم نيتشه الذي شتمه بشكل شخصي في كتابه: «ما وراء الخير والشر».

وما كان هيغل بعيداً عن درْس الآيديولوجيات، بل كانت نظريّته سبب تفجّر متناقض بين مفهوم «القلب الهيغلي» عند كارل ماركس، ومن ثمّ نشأة تيار «اليسار الهيغلي»، وعلى الضد فجّرت نظريته تلميذه الفيلسوف فيورباخ الذي ما فتئ أن انقلب على أستاذه، وحاول نقض مقولاته، وإنكار صحّة جدليته وإبطال حججه.

كان هيغل يرى أن الدين هو أعلى أشكال الوعي البشري، ويُمثل رحلة الروح نحو إدراك الذات المطلقة.

الأستاذ حوسي أزارو، في مقالة له بهذه الجريدة بعنوان: «هيغل وإذابة الخصومة بين الدين والفلسفة»، ركّز على نقاطٍ عدة منها:

الأولى: أن هيغل «ينطلق من تقليب طبيعة العلاقة بين الدين والفلسفة، بغية تجاوز المنظور الأنواري للدين، واللغط الكبير الذي حيق حول جدوى حضوره في تجربة الحياة البشرية، وكذلك سعيه نحو تنبيه كل من استمرأ النظر إليه بازدراء، كأدنى أشكال التفكير الإنساني الذي ينم عن عجز طافح في إعمال العقل، والتأمل المجرد في الذات والحياة والوجود، لا سيما أن معظم الفلاسفة الأنواريين، عدّوه مجرد تفكير جنيني وطفولي، يفتقر إلى النضج العقلاني النظري والمنطق».

الثانية: أن «الموقف المعهود في النزعة الإنسية والمادية للحداثة الغربية يشي بنزعة متمركزة حول الذات الأوروبية التي ترفع من مقام الحصيلة التاريخية والفكرية للحداثة، مزينة إياها برداء السمو والرفعة... ولعل هذا الأمر من القضايا التي تنبّه إليها هيغل مبكراً، وجعله ينزع نحو التأصيل لرؤية فلسفية جذرية جديدة، تتجاوز منطق التضاد والصراع والتناقض بغية احتواء الفهم السليم للدين ضمن منطق جدلي وشمولي، ونسق فلسفي عام».

الثالثة: قوله إنه «لا مجال متاحاً في نسق هيغل الفلسفي لفهم بسيط للدين، ولا لصراع بين الفلسفة والأديان أو عداء بينهما: فالخطاب الفلسفي لا يتدخل في المسائل الدينية لإفسادها، أو هدم اعتقاداتها الإطلاقية وتدنيسها. مثلما لا يجوز التوجس المستديم من الخطاب الديني لحظة انكبابه على القضايا الفلسفية بتعطيلها أو تحريم تداولها».

تعليقي أنه وفي فضاء كل النقاش المتفجّر عن النظرية الهيغلية لا بد من التأكيد على تغيّر المُنْطلق الذي بدأ منه. على سبيل المثال في ندوة نقاشيّة بين جاك دريدا وجياني فاتيمو، طبعت بكتاب تحت عنوان «الدين في عالمنا»، قام دريدا بضربة قويّة عنوانها التجاوز الصارم لثنائية الحق والباطل، النور والظلام، المركز والهامش. يقول: «لنتذكّر أيضاً ما اعتبره مؤقتاً عن حق أو باطل أمراً بدهياً، كيفما كانت العلاقة التي تربطنا بالدين، هذا الدين أو ذاك، فإننا لسنا رجال دين تابعين لمؤسسة كهنوتية، ولا نخبة من التيولوجيين... كما أننا لسنا أعداء للدين بالمعنى الذي يمكن أن يكونه بعض فلاسفة الأنوار».

الخلاصة؛ أن هذا النمط المتجاوز للفهم التقليدي للآيديولوجيا ضروري. كما أن ادعاء عداوة الفلاسفة للعقائد غير صائبة، فالدين مقدّس، وإنما المفهومان العلمي والعملي لمعالجة الأفكار التي يُصدرها البعض حول هذه الموضوعات يجب أن يحاربا لأنهما يؤسسان لأدلجة منطلقها عقائدي، ولكنها تُصاغ ضمن إطارٍ سياسي بحت.

وما كانت مهمّة الفلاسفة حول تبويب هذا الاتجاه سهلة، بل حُوربت من الآيديولوجيين خصوصاً منهم غير المتخصصين ولا المتعلمين، وإنما كانوا عبر التاريخ خليطاً من المتحمسين الذين يرون أن أي كشف لأفكارهم الآيديولوجية يمثّل تحدياً لهم، وهذا ما أبدع به هيغل حين ضرب ضربته الكبرى على الآيديولوجيا بمعول نظريّ متين.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مع هيغل حين ضرب الآيديولوجيا الماكرة مع هيغل حين ضرب الآيديولوجيا الماكرة



GMT 22:04 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

لبنان المخاوف… والخوف الكبير

GMT 22:03 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

انقلاب السحر على الساحر في إيران!

GMT 22:02 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

بحثا عن أفق سياسي بين سوريا وإسرائيل…

GMT 21:57 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

إذا اعتمدنا على أخلاق ترامب

GMT 21:54 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

أول يوم مجلس نواب

GMT 21:47 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

DNA الكرة المصرية!

GMT 21:45 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

اللاعب رقم (13) فى السنغال

GMT 09:48 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

قوة اسرائيلية فجرت منزلا ببلدة كفركلا في جنوب لبنان

إطلالات سميرة سعيد تعكس ذوقاً متجدداً يتجاوز عامل العمر

القاهرة - مصر اليوم

GMT 22:16 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

نقص الزنك يزيد خطر الإصابة بالتهابات المسالك البولية
  مصر اليوم - نقص الزنك يزيد خطر الإصابة بالتهابات المسالك البولية

GMT 19:41 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

ترامب يهدد بتفعيل قانون التمرد لقمع احتجاجات مينيابوليس
  مصر اليوم - ترامب يهدد بتفعيل قانون التمرد لقمع احتجاجات مينيابوليس

GMT 16:01 2025 السبت ,26 تموز / يوليو

زياد الرحباني نغمة معترضة على سلّم النظام

GMT 02:51 2025 الإثنين ,07 تموز / يوليو

نصائح لتصميم مطبخ مشرق وواسع الإحساس

GMT 09:09 2020 الإثنين ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

سعر الدولار في مصر اليوم الإثنين 16 تشرين الثاني/نوفمبر 2020

GMT 06:42 2020 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

أول رد فعل من مرتضى منصور على قرار اللجنة الاوليمبية

GMT 10:31 2020 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

تعداد سكان مصر يسجل 99810019 نسمة في الدقائق الأولى من 2020

GMT 12:49 2019 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

عمرو زكي يطمئن جمهوره بعد تعرّضه لحادث سير

GMT 23:10 2018 الأربعاء ,12 كانون الأول / ديسمبر

عمرو سعد يسافر إلي لبنان من أجل تصوير "حملة فرعون"

GMT 10:01 2018 الثلاثاء ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

مي عبد اللاه تؤكّد أن أدب الرعب يُمكن أن يؤثّر على الشخص

GMT 20:23 2018 الأحد ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

تضارب الأنباء حول طلاق جورج كلوني وأمل علم الدين

GMT 06:57 2018 الإثنين ,29 تشرين الأول / أكتوبر

محكمة جنايات القاهرة تستدعي الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك

GMT 23:39 2018 الأحد ,14 تشرين الأول / أكتوبر

تعرفي على ألوان مكياج العيون الرائجة في الخريف والشتاء

GMT 02:41 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

هبة قطب تكشف علاقة نوع الغذاء بالشهوة الجنسية
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt