توقيت القاهرة المحلي 13:32:46 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الحرب الحاليّة والعطب النظري

  مصر اليوم -

الحرب الحاليّة والعطب النظري

بقلم : فهد سليمان الشقيران

عبرَ التاريخ ترتبطُ كلُّ حربٍ بثيمة تمحضها عن غيرها؛ وغالباً في قديم الحروب كانت الأساطير والمُثُل هي أساس المدَد السياسي والشعبي والعسكري بغية تمتين حجج خوضها وشدّ رمح منطقها، يصحّ ذلك بالتحديد على الحروب الإغريقية. غير أن هذا اللوذ بالأسطورة بغية التترس بمحاججة تمنح الحرب حجّتها ومنطقها ورواجها لم يعد كافياً مع تطوّر الوعي البشري، إذ اختلطت الحرب بالإرادة البشريّة البحتة وبالأهداف الواقعيّة، وبالنمط السياسي المُتّبع، ويصحّ ذلك على الحروب التي نشبت بعد عصور الأنوار، إذ باتت أقرب إلى التفسير النظري المنبثق من التفسير والتبرير الإنساني البحت، وهذا مفيدٌ في نظريات الحروب لأسبابٍ عديدة، ومنها: أنَّ الحربَ تغدو دنيويّة دافعها التزاحمُ البشري على النفوذ والقوة وإذا صار الأمر كذلك، فإنَّ إنهاءَ هذه الحرب البشريّة العادية يمكن أن يتمَّ عبرَ التفاوض والسير نحو تنازلاتٍ مقبولة من هذا الطرف أو ذاك. وثانياً: أن إبعاد الجانب الأسطوري في الحرب يجعلها أقرب إلى الحرب الدنيويّة المتمايزة عن الحروب الأسطورية القديمة ذات المُثُل المعقّدة.

وأحسب أنَّ أكبر جانبٍ مظلم في حالة التفاوض أو النقاش في الحرب الحاليّة يكمن في الجوانب النظريّة المعتمة لدى الطرف الإيراني الذي يطرح أفكاره بمقاربة دينية بحتة مع عوامل أخرى؛ أهمها الفوقيّة: نقرأ الخطابَ المتعالي في الحديث عن المحيط وعن ثقافة الإقليم وطبيعته، مع اجترارٍ لأمجادٍ قديمة، ومحاولة دغدغة مشاعر الجماهير بالأيام الخوالي للإمبراطورية الفارسية، وهذا علاوة على كونه نشر ورَقي سطحي لن يقدّم أي ورقة تفاوضيّة ثمينة على طاولة «إنهاء الحرب» فإنَّ فيه فوقيّة متوارثة لا تمتّ للواقع الحالي بصلة، ولو أنَّ الحضارات تعيد أمجادها بإعادة قراءة أمجاد التاريخ من المجلدات، لما رأينا تحولات التاريخ التي يعيشها العالم اليوم.

ومن الأعطال نشر «المفهوم التاريخي للانتصار»؛ فحين يتباشر الأكاديميون والخطباء والساسة الإيرانيون بـ«الانتصار»، فإن هذا يعود إلى مفهوم الانتصار التاريخي نفسه، ففي حينٍ كان يعتبر عدد القتلى الضخم جزءاً من الانتصار إذ يعبّر عن مشقّة الرحلة، وتكلفة المسير، وعناء المعارك الطاحنة، فهو انتصار ذو بعد تاريخي يعني في لبّه توديع عدد كبير من الضحايا الذين يُزفّون نحو الآخرة، وبهذا يتم تلميع المعركة على أنها انتصار.

ومن الأعطال النظريّة الخطيرة في هذه الحرب «إنكار الواقع»، وهذا فيه تشويش على جميع الإرادات العالمية لإيقاف أي حربٍ وإبرامِ أي صفقة؛ فالواقع هو أساس الحركة الدنيوية وساحتها، وفي إنكاره محاولة لإعادة «أشباح وسيوف التاريخ»، وهذا يصعّب من مهام التفاوض إن لم يجعلها مستحيلة. إن سكنى التاريخ بهذه الطريقة الخطابية المتّبعة حالياً من قبل النظام الإيراني يحيّد الواقع عن فاعليّته، ومن هنا تأتي الكارثة. حين يغيّب الواقع ويغتال العقل وتُنكِر القوى السياسية المصلحة العامة للدولة، ويحل محلّ كل ذلك الأنماط التاريخية والمثل والأساطير المورّثة فإن الصراع سيستمر وهنا الكارثة.

الخلاصة؛ أننا أمام أعطالٍ نظريّة تجعل التحديّات أمام إنجاح التفاوض وبناء أسسٍ له أكثر وعورة، لقد علّمنا التاريخ أنَّ الحروب تُنهى بناءً على مصالح ووقائع ماثلة للعيان أساسها دنيويّ، لا على تخيلات لا يمكن البناءُ عليها أو الانطلاق منها أو التواؤم معها.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الحرب الحاليّة والعطب النظري الحرب الحاليّة والعطب النظري



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 18:53 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج العقرب الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:39 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الثور الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:59 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الدلو الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:36 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الحمل الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:56 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الجدي الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 19:01 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الحوت الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 05:07 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج القوس الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:13 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الجدي الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:01 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الأسد الميزان 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 04:24 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الثور الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 18:54 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج القوس الخميس 06 أغسطس/ آب 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt