توقيت القاهرة المحلي 14:29:45 آخر تحديث
  مصر اليوم -

عن مفهوم الحداثة والتجربة الغربية

  مصر اليوم -

عن مفهوم الحداثة والتجربة الغربية

بقلم : فهد سليمان الشقيران

يُتداول باستمرار موضوع «نهاية الحداثة». وهذا التصعيد في أحاديث النهايات له خطّة صحيحة حين نتعامل مع الحداثة بوصفها جزءاً من تاريخ ما وصلت إليه البشرية. ولمقولة «نهاية الحداثة» جانب خاطئ؛ لأن الحداثة، حين نأخذها بالمعنى البسيط، متجددة وقائمة. لذلك يصرّ يورغن هابرماس على أن الحداثة مشروع لم يكتمل بعد، بل ويعدّ «ما بعد الحداثة» مشروعاً نقدياً داخل الحداثة وليس منفصلاً عنها.

الحداثة بمفهومها العام تعني التحديث المتواصل، فكل انتقال في الفنون والسينما والأدب هو تحديث بمعنىً أو بآخر، وبالتالي؛ فإن الحداثة شريكة في هذا المنجَز، لكن حين نتعامل معها بحقبتها التاريخية المحددة، فإن مقولة نهايتها قابلة للنقاش.

الأستاذ محمد سبيلا ترجم بحثاً للفيلسوف جان بودريار عن «الحداثة»، وهو من البحوث المهمة، وقد تطرّق فيه إلى أفكار كثيرة، منها أن الحداثة ليست مفهوماً سوسيولوجيّاً، ولا مفهوماً سياسياً، وليست بالتمام مفهوماً تاريخياً، بل هي نمط حضاري خاص يتعارض مع النمط التقليدي، أي مع كل الثقافات السابقة عليه أو التقليدية. فمقابل التنوع الجغرافي والرمزي لهذه الأخيرة، تفرض الحداثة نفسها على أنها شيء واحد متجانس، يشع عالمياً انطلاقاً من الغرب، ومع ذلك، فهي تظل مدلولاً ملتبساً يشير إلى تطور تاريخي وإلى تغير في الذهنية.

غير أن تشارلز تايلر، وهو من المنظّرين لتاريخ الحداثة، له رأيٌ آخر، ففي كتاب «مسائل التعدد والاختلاف... مدخل إلى أعمال تشارلز تايلر» من تأليف سايد مطر، أن الحداثة عنده ذات طابع غربي خاص وفريد. فالحداثة عند تايلر «لا تعدو كونها مرحلة من مراحل التطور الثقافي والسياسي والأخلاقي الخاص بالمجتمعات الغربية. من الضروري إذن، بحسب تايلر، إذا ما أردنا الغوص في فهم الهوية الأخلاقية والسياسية الغربية الحديثة، أن نتتبع تطورها التاريخي حتى وقتنا الراهن. وجاءت دراسته للحداثة انطلاقاً من التفكيك الذي أصاب الروابط القروسطية للجماعة التاريخية التقليدية وأصاب أيضاً الدين، مروراً بعالم تحول إلى (عالم عديم السحر)، ووصولاً إلى إعلان استقلالية الذات الإنسانية كمرجع وحيد يحدد اختيارات الفرد والتزاماته الحياتية. وما يميز الحداثة في مراحلها الأولى، بحسب تايلر، نزعتها الصريحة إلى (المذهب الإنساني الحصري - (Exclusive Humanism)».

نعم إن الحداثة لها جانب معقّد ذو اشتباك تاريخي؛ لها بداية ونهاية، ولها جانب بسيط؛ مما يعني استمراريتها، بدليل أن كل المشروعات التنموية العالمية، والأفكار الكبرى على مستويات تطوير نظريات الأدب والسياسة والدولة، ذات بعد حداثي بمعنىً أو بآخر. إن الحداثة قد تكون ماتت على مستوى تاريخها المرتبط بأحداث سياسية ودينية، ولكنها بالمفهوم الفلسفي فعّالة وتؤتي أكلها إلى اليوم.

الخلاصة: الحداثة مثل أيّ مفهومٍ آخر؛ تمر بأطوار وتتنقل وتتحوّل مع محض التجربة. ولكن يمكن أن ألخّص رأيي في نقطتين أساسيتين: الحداثة ليست محصورة في التجربة الغربية الفريدة، ولم تكن منذ انعكاسها الأول علينا؛ نحن العرب والمسلمين، خارج الهواجس والتهم العميقة؛ وذلك بِعَدّها معادية للأديان بالنسبة إلى البعض... هذه الفكرة رسمت الموقف البسيط مع المنتج الحداثي؛ الفني، والفلسفي، والمعرفي، والتقني. وُضعت الحداثة بإزاء الدِّين، بوصفها ستحلّ محله، أو ستقوّض بنيانه، أو ستهدم قيمه. انتقل العداء للحداثة من العامي الوعظي، ليحولها بعض دارسي الفلسفة إلى منهاجٍ مفهومي، باسم الدهرانية، أو العلمانية الشاملة، أو الداروينية الاجتماعية. بينما الحداثة لم تبثّ يوماً لظاهرتها تعريفاً يتفق عليه الجميع، فهي تشمل كل الرحلة الأوروبية الطويلة منذ القرن السادس عشر، وحتى عصور الأنوار، وزلازل كوبرنيكوس وغاليليو والثورة الفرنسية، وصولاً إلى فتوحات الفلاسفة في نظرية المعرفة. فالحداثة بمعناها العام هي قصة تحولات الإنسان نحو اكتشاف ذاته وعلاقاته بالعالم. واكتشافُ موقعه من الأشياء لا يعني العدوان عليها، ومن ذلك فهم الدين، ولا يمكن عَدّ تلك الرحلة مقتصرة فقط على جانبٍ محدد يتعلق بالحرية، أو الانشقاق على هيمنة الكنيسة، بل الرحلة أشمل وأعم.

النقطة الثانية أن الحداثة بتحولاتها وصَرعاتها المتصلة بتطور العلوم الإنسانية، ومن ثم توسع المشروع البعدي منها ضمن انتقالاتٍ من الكليات إلى الجزئيات، ومن المتن إلى الهامش، ومن الصرح إلى الزاوية، ومن الإنسان إلى ظلّه، اتُّهمت بأنها حالة مسيحية، وذلك من قِبل منتقدي الحداثة في القرن العشرين، منذ نيتشه وهيدغر وحتى ليوتار وباديو وفوكو وبارت ودلوز. وعدّت نظريات كانط وهيغل مجموعة تنويعات عقلانية على المسيحية كما يكتب نيتشه. بمعنىً آخر؛ فإن الحداثة مفهوم هائل ومتطوّر وينسجم مع تجارب الدول والأمم والشعوب... إنه مفهوم سهل وبسيط وشريك للناس في حيويتهم الدنيوية، وللنّظُم في تشريعات القوانين الضابطة للمجال العام.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عن مفهوم الحداثة والتجربة الغربية عن مفهوم الحداثة والتجربة الغربية



GMT 07:42 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

الضريبة الثابتة على البنزين اختراع نيابي !

GMT 07:40 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

أزمة حلفاء

GMT 07:39 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

هذا العالم

GMT 07:37 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

دخانٌ مُنعقدٌ في الأفق الشرقي

GMT 07:36 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

مرحلة انتقاليّة... لا نزيدها إلاّ غموضاً

GMT 07:34 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

إيران والغرب... إلى أين؟

GMT 07:31 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

عالم جديد حقاً

GMT 07:28 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

العالم من «مبدأ مونرو» إلى «نهج دونرو»

إطلالات سميرة سعيد تعكس ذوقاً متجدداً يتجاوز عامل العمر

القاهرة - مصر اليوم

GMT 08:27 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

القهوة تتفوق على دواء للسكري في ضبط السكر بالدم
  مصر اليوم - القهوة تتفوق على دواء للسكري في ضبط السكر بالدم

GMT 09:30 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

الصين تطلق أول برنامج في العالم لمزامنة توقيت القمر مع الأرض
  مصر اليوم - الصين تطلق أول برنامج في العالم لمزامنة توقيت القمر مع الأرض

GMT 09:41 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج العقرب الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 06:22 2024 الجمعة ,09 آب / أغسطس

عمرو أديب يحذر من فيلم سبايدر مان الجديد

GMT 12:32 2019 الأربعاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

ارتفاع الكوليسترول يزيد احتمال الإصابة بألزهايمر

GMT 11:11 2019 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

انعقاد الجمعية العمومية للفنادق السياحية

GMT 14:33 2019 السبت ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

جنى عمرو دياب توجه رسالة إلى شقيقتها في عيد ميلادها

GMT 22:39 2019 الجمعة ,15 شباط / فبراير

ميرنا وليد تؤكد "عيد الحب" يعطيني طاقة إيجابية

GMT 03:30 2019 الجمعة ,01 شباط / فبراير

هوية أوروبا فى قلب انتخابات البرلمان الأوروبى

GMT 05:10 2018 الإثنين ,23 إبريل / نيسان

أفكار لتزيين "كوشة العروس" بطريقة بسيطة وأنيقة

GMT 21:14 2018 السبت ,20 كانون الثاني / يناير

هاينكس يدين ما أسماه "غياب الأخلاق" بين المحترفين

GMT 00:02 2023 الإثنين ,24 إبريل / نيسان

نيوكاسل يلقن توتنهام درسا قاسيا ويسحقه بسداسية
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt