توقيت القاهرة المحلي 23:36:17 آخر تحديث
  مصر اليوم -

عن مفهوم الحداثة والتجربة الغربية

  مصر اليوم -

عن مفهوم الحداثة والتجربة الغربية

بقلم : فهد سليمان الشقيران

يُتداول باستمرار موضوع «نهاية الحداثة». وهذا التصعيد في أحاديث النهايات له خطّة صحيحة حين نتعامل مع الحداثة بوصفها جزءاً من تاريخ ما وصلت إليه البشرية. ولمقولة «نهاية الحداثة» جانب خاطئ؛ لأن الحداثة، حين نأخذها بالمعنى البسيط، متجددة وقائمة. لذلك يصرّ يورغن هابرماس على أن الحداثة مشروع لم يكتمل بعد، بل ويعدّ «ما بعد الحداثة» مشروعاً نقدياً داخل الحداثة وليس منفصلاً عنها.

الحداثة بمفهومها العام تعني التحديث المتواصل، فكل انتقال في الفنون والسينما والأدب هو تحديث بمعنىً أو بآخر، وبالتالي؛ فإن الحداثة شريكة في هذا المنجَز، لكن حين نتعامل معها بحقبتها التاريخية المحددة، فإن مقولة نهايتها قابلة للنقاش.

الأستاذ محمد سبيلا ترجم بحثاً للفيلسوف جان بودريار عن «الحداثة»، وهو من البحوث المهمة، وقد تطرّق فيه إلى أفكار كثيرة، منها أن الحداثة ليست مفهوماً سوسيولوجيّاً، ولا مفهوماً سياسياً، وليست بالتمام مفهوماً تاريخياً، بل هي نمط حضاري خاص يتعارض مع النمط التقليدي، أي مع كل الثقافات السابقة عليه أو التقليدية. فمقابل التنوع الجغرافي والرمزي لهذه الأخيرة، تفرض الحداثة نفسها على أنها شيء واحد متجانس، يشع عالمياً انطلاقاً من الغرب، ومع ذلك، فهي تظل مدلولاً ملتبساً يشير إلى تطور تاريخي وإلى تغير في الذهنية.

غير أن تشارلز تايلر، وهو من المنظّرين لتاريخ الحداثة، له رأيٌ آخر، ففي كتاب «مسائل التعدد والاختلاف... مدخل إلى أعمال تشارلز تايلر» من تأليف سايد مطر، أن الحداثة عنده ذات طابع غربي خاص وفريد. فالحداثة عند تايلر «لا تعدو كونها مرحلة من مراحل التطور الثقافي والسياسي والأخلاقي الخاص بالمجتمعات الغربية. من الضروري إذن، بحسب تايلر، إذا ما أردنا الغوص في فهم الهوية الأخلاقية والسياسية الغربية الحديثة، أن نتتبع تطورها التاريخي حتى وقتنا الراهن. وجاءت دراسته للحداثة انطلاقاً من التفكيك الذي أصاب الروابط القروسطية للجماعة التاريخية التقليدية وأصاب أيضاً الدين، مروراً بعالم تحول إلى (عالم عديم السحر)، ووصولاً إلى إعلان استقلالية الذات الإنسانية كمرجع وحيد يحدد اختيارات الفرد والتزاماته الحياتية. وما يميز الحداثة في مراحلها الأولى، بحسب تايلر، نزعتها الصريحة إلى (المذهب الإنساني الحصري - (Exclusive Humanism)».

نعم إن الحداثة لها جانب معقّد ذو اشتباك تاريخي؛ لها بداية ونهاية، ولها جانب بسيط؛ مما يعني استمراريتها، بدليل أن كل المشروعات التنموية العالمية، والأفكار الكبرى على مستويات تطوير نظريات الأدب والسياسة والدولة، ذات بعد حداثي بمعنىً أو بآخر. إن الحداثة قد تكون ماتت على مستوى تاريخها المرتبط بأحداث سياسية ودينية، ولكنها بالمفهوم الفلسفي فعّالة وتؤتي أكلها إلى اليوم.

الخلاصة: الحداثة مثل أيّ مفهومٍ آخر؛ تمر بأطوار وتتنقل وتتحوّل مع محض التجربة. ولكن يمكن أن ألخّص رأيي في نقطتين أساسيتين: الحداثة ليست محصورة في التجربة الغربية الفريدة، ولم تكن منذ انعكاسها الأول علينا؛ نحن العرب والمسلمين، خارج الهواجس والتهم العميقة؛ وذلك بِعَدّها معادية للأديان بالنسبة إلى البعض... هذه الفكرة رسمت الموقف البسيط مع المنتج الحداثي؛ الفني، والفلسفي، والمعرفي، والتقني. وُضعت الحداثة بإزاء الدِّين، بوصفها ستحلّ محله، أو ستقوّض بنيانه، أو ستهدم قيمه. انتقل العداء للحداثة من العامي الوعظي، ليحولها بعض دارسي الفلسفة إلى منهاجٍ مفهومي، باسم الدهرانية، أو العلمانية الشاملة، أو الداروينية الاجتماعية. بينما الحداثة لم تبثّ يوماً لظاهرتها تعريفاً يتفق عليه الجميع، فهي تشمل كل الرحلة الأوروبية الطويلة منذ القرن السادس عشر، وحتى عصور الأنوار، وزلازل كوبرنيكوس وغاليليو والثورة الفرنسية، وصولاً إلى فتوحات الفلاسفة في نظرية المعرفة. فالحداثة بمعناها العام هي قصة تحولات الإنسان نحو اكتشاف ذاته وعلاقاته بالعالم. واكتشافُ موقعه من الأشياء لا يعني العدوان عليها، ومن ذلك فهم الدين، ولا يمكن عَدّ تلك الرحلة مقتصرة فقط على جانبٍ محدد يتعلق بالحرية، أو الانشقاق على هيمنة الكنيسة، بل الرحلة أشمل وأعم.

النقطة الثانية أن الحداثة بتحولاتها وصَرعاتها المتصلة بتطور العلوم الإنسانية، ومن ثم توسع المشروع البعدي منها ضمن انتقالاتٍ من الكليات إلى الجزئيات، ومن المتن إلى الهامش، ومن الصرح إلى الزاوية، ومن الإنسان إلى ظلّه، اتُّهمت بأنها حالة مسيحية، وذلك من قِبل منتقدي الحداثة في القرن العشرين، منذ نيتشه وهيدغر وحتى ليوتار وباديو وفوكو وبارت ودلوز. وعدّت نظريات كانط وهيغل مجموعة تنويعات عقلانية على المسيحية كما يكتب نيتشه. بمعنىً آخر؛ فإن الحداثة مفهوم هائل ومتطوّر وينسجم مع تجارب الدول والأمم والشعوب... إنه مفهوم سهل وبسيط وشريك للناس في حيويتهم الدنيوية، وللنّظُم في تشريعات القوانين الضابطة للمجال العام.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عن مفهوم الحداثة والتجربة الغربية عن مفهوم الحداثة والتجربة الغربية



GMT 06:33 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... باردة وصارمة

GMT 06:30 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

بعدما فازت إسبانيا... ماذا عن «نظريات» ميسي؟

GMT 06:28 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

النظام العالمي والفرصة الأخيرة

GMT 06:26 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

آفاق مستقبل النفط

GMT 06:24 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

تفاهمات «الاتفاق الإطاري» في التطبيق

GMT 06:21 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

الشرق الأوسط... حروب أم بداية حلول؟

GMT 06:20 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

الناس والأسماء والسياسة

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 16:24 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ماغي بوغصن تكشف ملامح مسلسلها الجديد في رمضان 2027
  مصر اليوم - ماغي بوغصن تكشف ملامح مسلسلها الجديد في رمضان 2027

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:01 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 22:00 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وصفات طبيعية لتنظيف الأثاث المعدني

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة

GMT 14:26 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 18:47 2021 الثلاثاء ,23 شباط / فبراير

عادات خاطئة تفعلها عند شرب الماء تؤدي إلى الموت

GMT 17:17 2019 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

حريق في مبنى الخارجية المصرية

GMT 01:20 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

الفنان تامر حسني يحتفل بـ أحمد عصام بهذه الطريقة

GMT 07:33 2024 الجمعة ,16 شباط / فبراير

مفاجأة بشأن الشرط الجزائي في عقد هالاند
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt