توقيت القاهرة المحلي 01:46:18 آخر تحديث
  مصر اليوم -

عن الغرب وتعدد النظريّات النقديّة

  مصر اليوم -

عن الغرب وتعدد النظريّات النقديّة

بقلم : فهد سليمان الشقيران

يعود الحوار حول الشرق والغرب بكل تشظّياته وتفاصيله المفهومية على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والعلمية إلى السطح بين فترة وأخرى. وهو نقاشٌ يتصاعد مع الذروات والتحولات. على سبيل المثال ثمة نقاشات أخلاقية حول «الذكاء الاصطناعي». أما على المستوى الاقتصادي فمن أولئك الذين ركّزوا على الدور الغربي في تسيير النظام الاجتماعي بسبب الآثار التطبيقية للرأسمالية الباحث بيتر فليمنغ في كتابه (طُبع 2024، وترجمه البيان غرة) الذي عنونه بـ«رأسمالية الشوكردادي: الوجه المظلم للاقتصاد الحديث». حاول المؤلف دحض الممارسات الرأسمالية بل خصّ فصلاً حتى عن شركات التوصيل وحمّل الغرب كل الانهيارات، وهو كتابٌ يلبّي رغبات المثقفين النزّاعين نحو تيارات الثورة واليسار ومعاداة الغرب.

امتداداً لكل ذلك النقاش ثمة وعيٌ مؤثر في تلك الظواهر المنفلتة، وسوف أعرض لمقالتَين مهمتَين كُتبتا في يومٍ واحد بهذه الجريدة، وعبرهما طُرحت نظريتان جديرتان بالتعليق؛ الأولى مقالة الدكتور رضوان السيد بعنوان «الصراع على الحاضر بالتاريخ!». رأى الأستاذ رضوان أنه منذ إدوارد سعيد، وإلى يساره فيما صار يُعرفُ بتيار التابع (subaltern)، تصاعدت الحملة الشعواء على الغرب الآثم العامل على إبادة العالم وإبادة نفسه. وهذا تقليد منذ أيام الاستعمار وفي شتى العلوم والسلوكيات. عند إدوارد سعيد كان الإسلام (في كتابه «تغطية الإسلام») مظلوماً في العلوم والإعلام والثقافة بالغرب، ثم نما هذا الميل، و«تردْكل» واتجه إلى التاريخ الفكري والفقهي والفلسفي، فتبلور الإسلام عبر التاريخ بوصفه نظاماً كاملاً يكون عليه أن يصادم الغرب المتآمر عليه وعلى العالم. وكما أفاد الإسلامويون من نزعات إدوارد سعيد المخاصمة للغرب، أفادوا أكثر من نزعات الديكولونياليين المنتشرين في الهند وأميركا اللاتينية والجامعات الغربية.

بينما يرى الأستاذ ممدوح المهيني في مقالته المُعنْونة بـ«الأزمة في المثقفين العرب» أن من أخطر هذه الأفكار التي يروجون لها؛ معاداة الغرب وقيم السوق والعولمة والثقافة العقلانية. أغلب الدول الثرية في قائمة العشرين هي دول غربية، وقيم السوق والعولمة هي التي صنعت عالمنا اليوم، والثقافة العقلانية العلمية هي أساس نجاح المجتمعات. يعظون ضد القيم التي جعلت أكثر هذه الدول ناجحة، ويُحدثون ضرراً فادحاً في طريقة تفكير مجتمعاتهم. تحولت الصحف والمجلات والتلفزيونات إلى معامل لإنتاج هذه الأفكار ونشرها على أوسع نطاق.

نعم، إن هذه النقاشات المتجاورة من قِبل المجتمعات والأديان، ومنها الإسلام، حول الغرب حيويّة، إنها ليست استشرافاً للمستقبل كما ساد في القرون الماضية، ولا استغراباً على ثقافة الغرب، كما هو عنوان كتاب الأستاذ حسن حنفي («مقدمة في علم الاستغراب»، طُبع 1991).

ومع هذه الموجة من الدرس والتحليل يجب الخروج من القوقعة القديمة وتنويع الدرس والاطلاع، وهذا ما نشهده من كثافة بحثية أوروبية تجاه الإسلام ومعارفه وعلومه وتاريخه مفيد بل ضروري.

إن هذا التلاقي بين الثقافة الغربية الصاعدة خصوصاً في مجالات التاريخ، مع دراسات العلوم الدينية، والأنثروبولوجيا، يمكنه أن يؤسس لنقاشٍ مختلف عن التضاد الذي ساد بين النخب الإسلامية والغربية في السابق. لكن هل انتهى الاستشراق؟! البعض يقول انتهى، ولكن الأكيد أنه بات من المهام الدراسية القديمة، لقد ضُخّم كتاب إدوارد سعيد («الاستشراق» طبع 1978)، واستثمرت به التيارات المتعددة والمتناقضة أحياناً، وهذا من اللافت.

الخلاصة؛ أن الأطروحات التي تسيء للغرب خبط عشواء من دون تعليل منهجي أو مفهومي تعبّر عن هشاشة المجال الثقافي، والكارثة أن من يهاجم الغرب ينطلق من نظرياتٍ غربية، مثل كتاب «تدهور الحضارة الغربية» لشبنغلر (طُبع 1918)، وهم يظنّون أنهم يحرجون الغرب بذلك، في حين تمثّل كل تلك المقولات من شبنغلر وغيره نقداً ذاتياً لا يفرّغ الغرب من مضمونه المتفوّق وإنما يريد له أن يخرج من بعض الأنفاق التي اعتورتْه، وهذا ما يصعّب على بعض المثقفين المغتبطين بكتب الغربيين في الهجوم على الغرب فهمه.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عن الغرب وتعدد النظريّات النقديّة عن الغرب وتعدد النظريّات النقديّة



GMT 21:45 2026 الثلاثاء ,24 شباط / فبراير

قوة تخاف من نفسها

GMT 07:19 2026 الثلاثاء ,24 شباط / فبراير

شريط الرعب

GMT 07:18 2026 الثلاثاء ,24 شباط / فبراير

موضع وموضوع: هديل الحمامة وطوق اليمامة

GMT 07:16 2026 الثلاثاء ,24 شباط / فبراير

أزمة غاز جيوسياسية في أعقاب حرب أوكرانيا

GMT 07:11 2026 الثلاثاء ,24 شباط / فبراير

الاستحقاقات والدور المستقبلي للبنان

GMT 07:09 2026 الثلاثاء ,24 شباط / فبراير

التحالف الخيالي لنتنياهو

GMT 07:07 2026 الثلاثاء ,24 شباط / فبراير

يحدث في «جزيرة الشيطان»!

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 18:21 2024 الثلاثاء ,06 شباط / فبراير

أهمية تناول المكملات الغذائية يومياً

GMT 12:51 2014 الإثنين ,03 شباط / فبراير

12 رياضة جديدة تسجل حضورها في أولمبياد سوتشي

GMT 14:22 2016 الأربعاء ,14 كانون الأول / ديسمبر

مظاهر الطبيعة الخلابة تضفي لمحة جمالية على ساوث داونز

GMT 07:10 2024 السبت ,07 أيلول / سبتمبر

صدور الأعمال الروائيّة الكاملة لغسّان كنفاني

GMT 21:32 2022 السبت ,22 تشرين الأول / أكتوبر

التحقيق في سرقة قطع أثرية من متحف كلية آثار جامعة سوهاج

GMT 20:10 2019 الأحد ,24 شباط / فبراير

كريم نيدفيد يسجل رابع أهدافه مع الأهلي

GMT 18:26 2019 السبت ,21 كانون الأول / ديسمبر

تعليقات المصريين على خبر سماع أصوات للحيتان

GMT 02:03 2019 الخميس ,12 كانون الأول / ديسمبر

رجل يشعل النار في منزله ويقتل زوجته في الغربية

GMT 03:08 2019 الأربعاء ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

أحلام تبدي انزعاجها من تكرار الحديث عن الصلح مع أصالة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt