توقيت القاهرة المحلي 00:28:37 آخر تحديث
  مصر اليوم -

هل الذكاء الاصطناعي «كائن طفيلي»؟!

  مصر اليوم -

هل الذكاء الاصطناعي «كائن طفيلي»

بقلم : فهد سليمان الشقيران

يبدو النقاش العارم والمحتدم حالياً حول تأثير ثورة الذكاء الاصطناعي على الإنسان في حال تصاعد يوماً بعد يومٍ، على كافة المستويات. السؤال عن التأثير الأخلاقي، ومن ثم عن المجالات الاقتصادية، والعلمية، ودور هذه الثورة في تغيير أسلوب المجال العام.

وهذا النقاش امتداد لكل اكتشافٍ علمي جديد منذ الإغريق مروراً بالثورة الصناعية، إلى اكتشاف القنبلة الذرية، وليس انتهاءً بالتقنيات في بحر القرن العشرين، وهو القرن الذي تُوِّج آخره بزمن «الإنترنت» الذي ننعم بأثره حتى اليوم.

قلتُ في محاضرة قبل فترة، إن هذا النقاش المحتدم غير مستغرب، ففي آخر القرن العشرين طرح نيتشه انتقاداته لـ«عصر الآلات» التي تجعل: «الحشود آلة نمطية واحدة، يذوب في دوارها الفرد، وتحوِّله إلى أداة استعمال لتحقيق بغية واحدة».

وهيدغر جاء من بعده ليدرس علاقة «التقنية بالعالم»، وليخصص جزءاً من بحوثه المتعددة لهذا الغرض، حتى في كتابه الأساسي «الوجود والزمن» 1927، نراه يطرح ومضات عن استفهامه، مما جعل «لوك فيري» -في مقالة له- يجعل من مناقشة هيدغر لماهية التقنية «الخيط الناظم لمناقشة هيدغر للحداثة»؛ إذ عدَّ التقنية بوصفها تمظهراً هي أساس الحداثة وعصبه الرئيسي.

بينما لوك فيري يرى أن تفكير هيدغر تعمق بالتدريج في هذه المسألة، وبخاصة من خلال تحديد طبيعة علاقة التقنية بالعالم من حيث هي علاقة استفسار ومساءلة. ففي دراسة هيدغر عام 1937 حول نيتشه و«العود الأبدي» نراه يشير إلى «الأسلوب التقني للعلوم الحديثة» وإلى «العقل الحسابي» الذي يحكم التقنية. كما جمع هيدغر في محاضرته سنة 1938 تحت عنوان «عصر تصورات العالم» كل العناصر لما سيعدُّه فيما بعد «تأويلاً أو فهماً تكنولوجياً لعصرنا»، فهو يصف في محاضرته هذه «التقنية المُمَكْننة» بأنها (الظاهرة الأساسية للأزمنة الحديثة). أما في كتابه «الوجود والزمن» فقد تطرق إلى هذه المسألة حينما تحدث عن التحلل والانحطاط من حيث هو عالم الانشغال، فهو يقول «بأن الطبيعة بالنسبة للذات المنفتحة (الدازاين) هي مخزن من الخشب، وبأن الهضاب هي مستودع من الصخور، وبأن النهر قوة محركة مائية، وبأن الهواء نافخ ودافع الزوارق الشراعية».

مداخلتي هنا على مقالة نشرت في «نيويورك تايمز» وتُرجمت في هذه الجريدة بعنوان: «بين خيال التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي» لتريسي ماكميلان كوتوم، وهي عالمة اجتماع وبروفسورة في جامعة نورث كارولاينا. مما قالت: «بطبيعة الحال، يمكن للذكاء الاصطناعي إنقاذ حياة كثير من البشر في حال تطبيقه بشكل مناسب. صحيح أنه مفيد لإنتاج بروتوكولات طبية وأنماط رصد في فحوص الأشعة؛ مع ذلك يتطلب هذا النوع من الذكاء الاصطناعي أناساً يعرفون كيفية استخدامه».

ثم تشبِّه الذكاء الاصطناعي بأنه مثل: «كائن طفيلي؛ إذ يلتصق بنظام بيئي قوي للتعلم، ويسرع بعض أجزاء عملية اتخاذ القرار. يمكن للكائن الطفيلي والمضيف التعايش، ما دام الكائن الطفيلي لا يجعل المضيف يتضور جوعاً. المشكلة السياسية في التحفيز الذي يقوم به الذكاء الاصطناعي هي أنه يؤدي إلى تضور المضيف جوعاً؛ حيث يؤدي إلى قلة عدد المعلمين، والشهادات، والعاملين، وبيئات المعلومات الطبية».

الخلاصة أن هذا التطوُّر الهائل في بدايته؛ وما من حلٍّ معه إلا بدرسه والتواكب معه. إن الذكاء الاصطناعي بات خارج التقييم. من الضروري رسم سياسات تعامل تشمل كل المجالات التي يمكن أن يؤثر عليها. لقد علَّمنا التاريخ أن الكشوفات التقنية ليست مزحة، ولا يمكن مواجهتها بالمواعظ والهجاء والخطب الرنَّانة، إنه طوفان هائل لا بد من التعامل معه بالدرس والفهم والحكمة.

هذه هي دورة العلوم تطلعنا على رأس كل جيلٍ، على كشوفاتٍ خارقة، وأفكارٍ غير متوقعة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

هل الذكاء الاصطناعي «كائن طفيلي» هل الذكاء الاصطناعي «كائن طفيلي»



GMT 08:30 2026 الجمعة ,30 كانون الثاني / يناير

نيل من الكوميديا

GMT 08:28 2026 الجمعة ,30 كانون الثاني / يناير

فرض السلم بالحرب!

GMT 08:26 2026 الجمعة ,30 كانون الثاني / يناير

البيت الأبيض وامتياز التفاوض

GMT 08:24 2026 الجمعة ,30 كانون الثاني / يناير

عبد الرحمن الراشد... ومشروع «النَّاصرية»

GMT 08:23 2026 الجمعة ,30 كانون الثاني / يناير

السيادة الوطنية... مبدأ تحت الحصار

GMT 08:21 2026 الجمعة ,30 كانون الثاني / يناير

كيانات موازية للدول

GMT 08:20 2026 الجمعة ,30 كانون الثاني / يناير

جنوب لبنان بين الإسناد والسند

GMT 08:17 2026 الجمعة ,30 كانون الثاني / يناير

«مجلس ترامب».. أى مستقبل ينتظره؟!

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ مصر اليوم

GMT 06:45 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

مواعيد الصلاة في مصر اليوم الأربعاء 28 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 11:28 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

ينعشك هذا اليوم ويجعلك مقبلاً على الحياة

GMT 14:46 2018 الأربعاء ,02 أيار / مايو

قصور رقابي

GMT 21:45 2017 الأربعاء ,27 كانون الأول / ديسمبر

عبد الحفيظ يؤكد ثقته في عودة الأهلي لطريق الإنتصارات

GMT 19:22 2021 الثلاثاء ,19 كانون الثاني / يناير

بنك مصر يوقع اتفاقية قرض مع بنك الاستثمار الأوروبي

GMT 01:48 2019 الخميس ,12 كانون الأول / ديسمبر

كليب راسمك في خيالي لـ محمد حماقي تريند رقم 1 على يوتيوب

GMT 23:07 2019 الثلاثاء ,29 تشرين الأول / أكتوبر

علي فرج يتأهل إلى نصف نهائى بطولة مصر الدولية للإسكواش
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt