توقيت القاهرة المحلي 00:13:42 آخر تحديث
  مصر اليوم -

دروب الإرهاب وأسئلة «الجذر» و«المعيار»

  مصر اليوم -

دروب الإرهاب وأسئلة «الجذر» و«المعيار»

بقلم : فهد سليمان الشقيران

لا يعزُب عن الدارسين والمؤرخين للعلوم وتاريخها، وللظواهر وجذورها ومصادرها أن الإمساك بتلابيبها والغوص في أصلها من المهام الكبار التي أخذت وقتاً طويلاً حتى تصل إلى النضج التي باتت عليه في مجالات البحوث والأكاديميات بالعالم.

مع كل موجةِ نضوب بحثيّة أو انهياراتٍ تحليلية تنبري بعض العقول اللامعة لوضع خُطّاطاتٍ بحثيّة تتبع كل مفهومٍ من جذره بحثاً عن وثائقه وتاريخه، ومن ثمّ إدماجه في مجال التحليل ليأخذ دورته التنقيبية الشاملة قبل أن يصل المهتمّ إلى «المعيار» الملائم الذي على أثره ينسب هذا الموضوع إلى مجالاتٍ تاريخيّة أو فكريّة أو اجتماعيّة أو نفسية.

حدثَ هذا في مجالاتٍ عديدة اقتنصها المختصّون لإدراك «الكُنْه» الذي تنبجس منه، ولئن استعزّت هذه البحوث في القرون السابقة تحديداً من السادس عشر، فإنها في القرن العشرين ستأخذ صياغةً علميّة تحليليةً أركيولوجيةً محكمة، ومن ذلك على سبيل المثال ما فعله ميشيل فوكو بأبحاثه التوثيقية للجنون والسجون والمصحّات وسواها.

يهمنا في هذه المساحة ضرب المثال بنظريّته حول «ولادة العيادة» لأنه أعاد لموضوع «المعيار» حُكمَه، فالصحّة هي معيار تشخيص المرض وهكذا، ومن جهةٍ أخرى لأن الكتاب تشعّب في النواحي البيئية والعدوى التي مردّها تحوّل الأسرة إلى جزء من «حالة الطبيعة» التي يترعرع فيها المرض، بالإضافة إلى ثيمات أخرى يستعين بها فوكو مثل معاني تنظيم الطب وتطوّره لصالح الأنوار والحريّة، فكما أن ثمة مرضاً تاريخياً مردّه إلى الواقع والقانون، فإن ثمة أمراضاً أخرى فلسفية وفكريّة وخرافية مردّها «الوباء التكويني».

ثم يسرد علينا فوكو كيف أن التدريب الطبّي ما حُلّت مشكلته إلا بتنظيم التعليم، وآية ذلك أن المرض والوفاة قدّما المزيد من «الدروس» في المستشفيات، فالإصلاح التعليمي ساهم في تمتين «أشكالٍ من التجربة» في المعالجة، ضمن معرفة المرض بالذات وإنما «أشدّ أصوليّة»، وبحسب فوكو فـ«في القرن الثامن عشر أصبح نظام التربية والتعليم، بصفته منظومة لمعايير التأهيل متمفصلاً بشكلٍ مباشر مع نظريةِ تمثّل الأفكار وترابطها. لقد كانت طفولة الأشياء والناس وشبابهما مشحونين بسلطةٍ غامضة، ألا وهي أن تنطلق بولادة الحقيقة وتقرّبها، وعليه صار الطفلُ سيّد الكهل من باب أن التدريب الحقيقي يتماهى مع نشأة الحقيقي ذاته».

من هذه الزاوية لدى فوكو يمكننا استثمار منهجيّته بغية فهمٍ أشدّ دقةً ورصانةً لمفهومٍ مرَضيّ هو الآخر وأعني به «الإرهاب». إذ المرض بوصف فوكو «ليس سوى تجميع للأعراض». (ولادة العيادة-ص:138).

لقد ظلّت الكُراسات والأفكار والحمولات التحليلية تجتهدُ من أجل تنفيذ حصاريْن أساسيين؛ أولهما: الحصار في الواقع عبر الضرب الأمني ووضع سياساتٍ تربويّة حاذقة لصياغة استراتيجيةٍ نحو مجتمعٍ رشيد، ويندغم من استراتيجيا الأمن الموضوع التعلمي والتربوي، وقد تفوّقت حكومات عديدة من أجل تطوير هذا المعنى والوصول إلى الهدف الأساسي وهو نبذ الإرهاب، لكن الأحداث تثبت أن للإرهاب حيله وطرقه ومخاتلاته. ثانيهما وهو الأكثر وعورةً وهو البحث عن «الجذر» للإرهاب. هناك اختلافٌ في ادعاء القبض على جذره على سبيل المثال وهو خلافٌ محتدم بين بعض المتخصصين التقليديين المُرشدين، وبين الأكاديميين والفلاسفة والمفكّرين، ثم ينقسم الفلاسفة أنفسهم بيْن التفاسير الجزئية الأخرى التي تتعلق بالجغرافيا والتاريخ وليس انتهاءً بالقناعات والتفسيرات.

غير أن وضع «معيار» لضبط الإنسان الإرهابي وغيره العادي المنضوي ضمن مجتمعه وقانونه ودولته لم يحسم بعد، وهذا مؤشرٌ خطير على مستوى «الهشاشة النظريّة» التي تورّط بها من يُنتظر منهم مقاربات أكثر دقةً وفعاليةً لئلا تبقى الظاهرة منفلتةً تهدد المجتمع وتجدد من طرقها في سبيل التحايل على المجال العام.

الخلاصة؛ أن الإرهاب، أما وقد تفوقت العديد من الدول في ضربه أمنياً وحصاره تربوياً وإرشادياً، فإن الكرة الآن بملعب الباحثين... أن يحاصروا الإرهاب نظرياً فمن دون هذا الطوْر من الجرأة فإن الإرهابي سيعاود ويكرر جرمه كلما وجد فرصته مواتية. فالإرهابي طوال الوقت يخطط لإيجاد درْب لتنفيذ الجريمة، وحين لا تكون ضربتنا الفكرية للإرهاب عنيفة وشاملة وساحقة، فإنهم بكل عدوانهم سوف يختالون بأنصاف العمليّات الناجحة لديهم معتبرين أن الدروب كلها ساحات متاحة لاستهداف البشر.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

دروب الإرهاب وأسئلة «الجذر» و«المعيار» دروب الإرهاب وأسئلة «الجذر» و«المعيار»



GMT 00:13 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

صور غير تذكارية

GMT 00:10 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

رهان “الحزب” على اليمن…

GMT 00:00 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

نوم أفضل يعني جسما أرشق

GMT 23:59 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

هل نعلم أولادنا بالقسوة أم بالحب؟

GMT 23:58 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

استحضار الشاه عباس الصفوي اليوم

GMT 23:56 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

معركة إريتريا تحرِّك آلة الحرب الإثيوبية!

GMT 23:50 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

السودان: فرصة الحوار

GMT 06:33 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

التقارب السوري ــ الليبي خطوة إيجابية

أناقة لافتة لسلمى أبو ضيف بالأبيض والأسود في مختلف المواسم

القاهرة ـ مصر اليوم

GMT 21:26 1970 الأربعاء ,14 تشرين الأول / أكتوبر

السيسي يوضح موقفه من تعديل الدستور ويؤكد دعم مصر لدول الخليج
  مصر اليوم - السيسي يوضح موقفه من تعديل الدستور ويؤكد دعم مصر لدول الخليج

GMT 18:05 2026 الخميس ,15 تشرين الأول / أكتوبر

محمد رمضان يشوق جمهوره لأغنيته الجديدة “جي تي إيه”
  مصر اليوم - محمد رمضان يشوق جمهوره لأغنيته الجديدة “جي تي إيه”

GMT 03:33 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

قرار سعودي عاجل بشأن محاولات الحج بدون تصريح

GMT 16:05 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

نوع مهاجر متكاثر مهاجر عابر جديدين من الطيور

GMT 00:02 2025 الثلاثاء ,15 تموز / يوليو

عطور نسائية برائحة الشوكولاتة

GMT 16:44 2020 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

اليوم طلائع الجيش يبدأ فترة الإعداد لانطلاق الموسم الجديد
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt