توقيت القاهرة المحلي 16:36:50 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أفكار التجديد وسياسات التحديث

  مصر اليوم -

أفكار التجديد وسياسات التحديث

بقلم : فهد سليمان الشقيران

كتب الأستاذ توفيق السيف مقالةً بهذه الجريدة تحت عنوان: «الحداثة التي لا نراها»، وفيها يعلّق على ما وصفه الشاعر محمد الحرز بجدال الحداثة وتصنيف الحداثي والتقليدي، وهذا نقاش مثير للنقاش؛ وآية ذلك أنَّ النقاش حول الحداثة لم ينته بعد، بل ثمة قراءات متجددة في الغرب كُتب عنها حول امتداد الحداثة بعد ضمور فلسفة ما بعد الحداثة، وذلك بسبب صعود التقنية العليا الصاعدة التي نقضت نسيج فلسفة ما بعد الحداثة، ولم يعد أحد يتحدث عنها إلا قلة، وذلك لأنَّ الحداثة قائمة على نظرية عميقة متماسكة، على عكس ما بعد الحداثة والتفكيكية التي تركز على النقض والتدمير كما في التفكيكية، من دون إنتاج بديلٍ قويّ بل تعدّ التحديث أساس بناء الأفكار، لهذ بقيت. لكن يذكر لما بعد الحداثة أنها أيقظت إنتاج الحداثة؛ بدليل أنَّ الحديث والدرس حول كانط أعلى منه حول جاك ريدا حتى اليوم.

وأعلق على مقولة الأستاذ توفيق السيف: «الحداثة بقطبيها تدور حول العقل لكونه مهيمناً على العالم، هي ليست نظاماً محدد الأطراف، بل مشروع بنهايات مفتوحة للتطور والتحول. وكلما بلغت مرحلة انكشفت أمامها مسارات جديدة. لذا لا ينبغي اعتبار المستوى الفعلي لمجتمع معين (الغرب مثلاً) معياراً نهائياً تقارَن به المجتمعات الأخرى. ما هو مهم في الحقيقة هو ما ذكره د. حسن النعمي في حديث مسجل: محورية العقل وكون نتاجه معياراً وحيداً لما يُقبل أو يُرفض. ولا أرانا بعيدين عن هذا، حتى لو قبلنا بعض التحفظات من هنا أو هناك».

وقد أجريت من قبل مقابلةً مع أستاذنا الراحل محمد سبيلا، وهو مؤلف عن الحداثة وما بعدها العديد من المؤلفات، وما يهمنا من قوله أن «اصطدام التقليد بالحداثة هو أشبه ما يكون باصطدام كوكبين اصطداماً انفجارياً؛ لأن التقليد كون والحداثة كون آخر أو كيان آخر. إنه اصطدام في غاية العنف لكنه بطيء وعميق المفعول. هذا الاصطدام الانفجاري الهائل هو الذي نشهد منذ القرن الثامن عشر الميلادي نتائجه المهولة على اقتصاديات وسياسات وثقافات وتقنيات البلدان المتأخرة تاريخياً، حيث تحدث تخرمات وتشوهات وتداخلات عنيفة وتفاعلات رمزية استعارية على كافة المستويات».

ويضيف: «أنا مدين في إبراز ذلك - خاصة على المستويَين النفسي والثقافي - للفيلسوف الإيراني داريوش شيغان في معظم كتاباته وبخاصة في كتابيه، ما هي الثورة الدينية، وكما عاشت أوروبا في بدايات انطلاق الحداثة صراعات دموية عنيفة وتمزقات اجتماعية وثقافية في حالة فصام وجداني وثقافي، وهي صراعات تغلَّبت فيها البورجوازية المستنيرة المتحررة من هيمنة الكنيسة، والتي كانت قادرة على تطوير ثقافة دنيوية عقلانية ونقدية، فإنَّ المجتمعات والثقافة العربية منذورة لتعيش حالات تمزق وفصام أقوى وأعمق بسبب عمق ورسوخ التقليد وهيمنة التراث، أو تصور ارتدادي للتراث على المجتمع والثقافة والفرد العربي والمخيال العربي».

الخلاصة أن الحداثة لم تنته بعد، وحتى أفكار ما بعد الحداثة هي بمثابة تنويع في التطوير والتحديث، ولذلك فإنها مثل نقد على النقد، وهذا يحسب لها. إن الحداثة هي أساس التطوّر ولو تأملنا بالتنمية، أو الاقتصاد، أو رأس المال الرمزي الثقافي، أو المستوى الاجتماعي في التطوّر، فإنها مدينة لأفكار التحديث. والحداثة ليست بعبعاً حتى نخاف منها، إنها تقول لنا تطوروا، غيّروا القديم وانطلقوا للجديد من الأفكار والفنون والعلوم.

لكل أمةٍ حداثتها الخاصة، للصين حداثتها، وللغرب حداثته، وعليه فإن تشويه الحداثة بحد ذاته موقف مفاده أن نتوقف عن التطوّر؛ بدليل أن الدول حين تأسست ووضعت النظم وقوانينها ثمة من عارضها، وإلى الآن نراهم عياناً ونباشر ونتابع مواقفهم إلى اليوم، نستطيع أن نقول إن الحداثة انتصرت على أفكار ما بعد الحداثة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أفكار التجديد وسياسات التحديث أفكار التجديد وسياسات التحديث



GMT 10:50 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تحولات

GMT 10:49 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوعٌ: باب الدموع ومنادب البردوني

GMT 10:48 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

كم تبلغ قوة القانون الدولي؟

GMT 10:47 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين؟

GMT 10:46 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

إيران: 6 سيناريوهات لحرب أخرى؟

GMT 10:45 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

العراق... نظام 2003 وأزمة النخب السياسية

GMT 10:44 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

طعام أهل الجنة

GMT 10:43 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

قضايا شعلتها لا تنطفئ

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 22:36 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج العقرب الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:39 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الجدي الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 19:58 2024 الأربعاء ,08 أيار / مايو

حسين الشحات مهدد بالحبس فى أزمة الشيبى

GMT 14:15 2023 الخميس ,07 أيلول / سبتمبر

فيلم "ساير الجنة" في نادي العويس السينمائي

GMT 16:19 2015 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

سعاد سليمان تحصد جائزة خوان كارلوس للقصة القصيرة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt