توقيت القاهرة المحلي 09:55:04 آخر تحديث
  مصر اليوم -

السعودية وأميركا... الحقائق والتسريبات

  مصر اليوم -

السعودية وأميركا الحقائق والتسريبات

بقلم - عبدالله بن بجاد العتيبي

كل ما يحدث في السعودية جديدٌ، وعلى جميع المستويات، داخلياً وإقليمياً ودولياً. لقد وضعت السعودية الجديدة خطوطاً حديثة لجميع الأطراف، القريب والبعيد، الحليف والعدو، ضمن خططٍ معلَنة وأهدافٍ وغاياتٍ منشورة، وبلغة هادئة ودبلوماسية عالية، ولكنها مقرونة بحزمٍ يتجلى في المواقف والقرارات والتوجهات، المعلن منها وغير المعلن.

العلاقات السعودية - الأميركية بالغة الأهمية والتأثير على الدولتين والمنطقة والعالم، وقد ظل الطرفان يتحدثان عن عقودٍ من عمق هذه العلاقات، ويستحضران لقاء الملك عبد العزيز بالرئيس الأميركي روزفلت في الأربعينات من القرن الماضي، وما تلاه من تحالفٍ قوي أثر على موازين القوى في العالم في صراعاتٍ دولية وتحولاتٍ تاريخية منذ الحرب الباردة بكل ملفاتها الساخنة؛ في أفغانستان وغيرها وحرب الخليج الثانية وغزو صدام حسين للكويت ثم أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) والحرب على الإرهاب، مروراً بعقودٍ من التعاون في مجالات بالغة التأثير دولياً، مثل أسعار الطاقة.

من الطبيعي بعد هذه العقود أن تتغير الدول، وقد تغيرت أميركا، وتغيرت السعودية، ومنذ إدارة أوباما الديمقراطية وانسحابها من المنطقة والعالم ودعمها لفوضى «الربيع العربي» المشؤوم ثم توقيعها للاتفاق النووي مع إيران دون اعتبارٍ لمصالح السعودية ودول الخليج والدول العربية، حدث شرخٌ في هذه العلاقات، وبدأت تتصاعد لهجة سياسية وإعلامية ذات طابعٍ يساري ليبرالي داخل أميركا ليست ودودة تجاه السعودية، ودخلت السعودية حقبة جديدة من تاريخها مع الملك سلمان وولي عهده صاحب الرؤية الأمير محمد بن سلمان، ولم تستوعب أميركا ما جرى.

عندما وصلت إدارة بايدن إلى البيت الأبيض، سعت لطمس 4 سنواتٍ من إدارة الجمهوري ترمب من التاريخ، ويمكن رصد منحنى التصريحات والمواقف الأميركية في علاقاتها بالسعودية الجديدة بسهولة للمراقب والمتابع، حيث كان بايدن يتعامل باستخفاف، ويستخدم لغة الازدراء والنبذ قبل وصوله، ولا يستخدم لغة ودودة تراعي المصالح وتستحضر التاريخ المشترك.

اختصاراً لكثير من التفاصيل والشواهد؛ فقد احتاجت أميركا إلى السعودية في أسعار النفط وأسواق الطاقة قبل عامٍ تقريباً، ولكن السعودية لم تستجب، بل عملت باحترافية كاملة في إعلان «أوبك» تخفيض الإنتاج، عكس رغبة بايدن وإدارته، وقد سعت الإدارة للرد على القرار السعودي، وسعت جهدها لتسييس القرار الفني البحت فلم تنجح، ثم هددت باتخاذ إجراءات ضد السعودية، ولكنها حقيقة لم تصنع شيئاً؛ ما أثار أسئلة لدى المراقبين والمتابعين. تعاني أميركا منذ سنواتٍ من تسريباتٍ ضخمة للوثائق السرية، منذ «ويكيليكس»، ومئات الآلاف من الوثائق منذ 2006 وما تلاها، بعمل جوليان أسانج، ثم تم تسريب وثائق أخرى من قبل إدوارد جوزيف سنودن (2013)، وصولاً إلى التسريبات الأخيرة لـ«وثائق ديسكورد»، التي قام بها جاك تيشيرا (2023)، وقبل بضعة أشهرٍ فقط، وحوت معلوماتٍ سرية عن ملفاتٍ معاصرة ما زالت ساخنة وخطيرة.

ملف العلاقات السعودية - الأميركية استمر، وتوافد رموز الإدارة الأميركية على السعودية في زيارات معلنة وسرية مراراً وتكراراً، وجاء بايدن بنفسه للسعودية، يوليو (تموز) 2022، وقبل أيامٍ كان وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في زيارة للسعودية استمرت أياماً، وبدأت الإدارة الأميركية تستحضر عقوداً من العلاقات بين البلدين، وتستخدم لغة ودودة، وتؤكد على المصالح المشتركة. خلال تلك الفترة، وبخطط مُعلَنة وخطواتٍ عملية وقراراتٍ تخدم مصالحها أولاً بَنَت السعودية علاقات متينة مع روسيا في مجالات متعددة، كما بنت علاقات أكثر متانة وتشعباً مع الصين، وصنعت طريقاً دولية ثالثة تجاه الحرب الروسية - الأوكرانية تبعها عليها كثيرون حول العالم، وصنعت اتفاقاً مع إيران برعاية صينية لا غربية؛ ما شكل اختراقاً سياسياً كبيراً على المستويين الإقليمي والدولي، وأطفأت أسخن الملفات الكبرى في المنطقة، وجعلت الاقتصاد والتنمية أولوية قصوى تسبق جميع الملفات الأخرى.

كل ذلك صنعته السعودية الجديدة دون شعارات براقة ولا مزايدات فجة ولا عنتريات جوفاء، بل رسمت طريقها نحو مصالحها ومستقبلها، ولم تصنع أي شيء مما كان يستهلكه بعض الزعماء العرب لعقود من شتم أميركا بأوصاف مهينة تنبع من خطاب يساري أو قومي أو آيديولوجي ديني، بل بلغة المصالح والدبلوماسية الهادئة والحازمة في الآن ذاته.

ولي العهد السعودي محمد بن سلمان يمثل لحظة تحول تاريخية لم تستوعبها دول عديدة، خصوصاً في الغرب، وبعضها دفع ثمن العجز عن الفهم والاستيعاب، وعاد وغيَّر السياسات والمواقف والتصريحات، بل إن بعض المؤسسات العريقة في أميركا وغيرها من الدول بدأت في محاولة تجاوز أي تحدياتٍ تعيق إعادة الدفء للعلاقات الثنائية سواء كانوا أشخاصاً أم كياناتٍ.نشرت «واشنطن بوست» ضمن تسريباتٍ «ديسكورد» وثيقة تذكر أن الأمير محمد بن سلمان قد لوّح بتغيير جذري في العلاقات السعودية الأميركية وفي التعامل مع إدارة بايدن والتكاليف الاقتصادية الباهظة على أميركا، وهو ما يمكن فهمه بسهولة في هذا السياق.مما لا يدركه بعض صُنّاع القرار الأميركي أن الشعب السعودي بخلاف العديد من شعوب المنطقة شَغِفٌ بأميركا فعلياً بوصفها رمزاً للحضارة الإنسانية المعاصرة، وأجيال سعودية تلقت العلم والمعرفة في الجامعات والأكاديميات الأميركية، وعاشت في أميركا سنوات طويلة من زهرة الشباب ونمو المدارك وتشكل الشخصية، وبنت علاقاتٍ إنسانية دافئة مع فئات مختلفة من الشعب الأميركي، وما لا يدركونه أكثر هو أن هؤلاء المبتعثين، وعبر أجيال متعاقبة، هم أكبر داعم ومؤيد في خدمة رؤية الأمير الشاب وطموحه لبلاده وشعبه، وهم متفانون في خدمة المصالح السعودية التي يقودها، بغض النظر عن حجم المحبة والمودة لأميركا وحضارتها ومجتمعها.

تعاني أميركا الدولة أو «الإمبراطورية» من مشكلات مهمة، منها تدني مستوى النخب السياسية والاستراتيجية التي تنتجها. وللمقارنة، فقد عقد هنري كيسنجر قبل سنواتٍ قليلة فصلاً في كتابه «النظام العالمي» عن السعودية، جاء فيه: «يجب على أميركا استقطار فهمٍ مشتركٍ مع بلدٍ (السعودية) هو الجائزة المستهدفة من قبل كل من صيغتي (الجهاد) السنية والشيعية على حدٍ سواء، بلد ستكون جهوده ومساعيه، مهما كانت التفافية وغير مباشرة، أساسية وجوهرية في رعاية أي تطورٍ إقليمي بنَّاء».

أخيراً، فالسعودية اليوم وبشكل مباشرٍ وصريحٍ تقود تغييراتٍ كبرى وتاريخية أكثر مما ذكره كيسنجر بكثيرٍ. ومع ذلك، فالنخب المعاصرة في أميركا لم تجد سبيلاً سوى التهجم على السعودية، وهو ما يدعو للعجب.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

السعودية وأميركا الحقائق والتسريبات السعودية وأميركا الحقائق والتسريبات



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 08:20 2026 الإثنين ,02 آذار/ مارس

قتيل وجريحان جراء سقوط حطام صاروخ في البحرين
  مصر اليوم - قتيل وجريحان جراء سقوط حطام صاروخ في البحرين

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 09:08 2024 الخميس ,23 أيار / مايو

ليفاندوفسكى يحسم مستقبله مع برشلونة

GMT 22:26 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 11:53 2025 الثلاثاء ,05 آب / أغسطس

أفضل 5 هدافين في تاريخ أعظم 10 منتخبات وطنية

GMT 18:12 2017 الجمعة ,08 كانون الأول / ديسمبر

عملاء "تي إي داتا" يتعرضون للاختراق بسبب الراوتر

GMT 15:22 2022 الأحد ,06 آذار/ مارس

فصل من مذكرات الصحفي التعيس

GMT 09:03 2021 الخميس ,23 أيلول / سبتمبر

مصرع 3 أطفال في بركة مياه بطرح النيل في مصر

GMT 04:00 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

أنجيلينا متألقة كالفراشة في إطلالتها باللون الليلكي في روما

GMT 01:23 2019 الأربعاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

سوزان نجم الدين بـ إطلالة جذابة في أحدث ظهور
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt