توقيت القاهرة المحلي 23:14:55 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الأصولية والطائفية والصراع على الهوية

  مصر اليوم -

الأصولية والطائفية والصراع على الهوية

بقلم - عبدالله بن بجاد العتيبي

الهوية، هوية الأمم والشعوب والأفراد، عميقة الحضور في الماضي وبالغة التأثير في الواقع والمستقبل، وبقدر ما تكون عاملاً رئيساً للبناء والتطوير، فإنها حين تحرّف بعض عناصرها تكون عاملاً رئيساً للتدمير لا على المستوى المادي فحسب، بل على المستوى المعنوي.
هل عرق الإنسان أو دينه أو طائفته أو لغته أو جنسه هي فقط التي تحدد هويته؟ وهل الهوية متعددة أم واحدة، بمعنى أن يكون للإنسان هوية ذاتية وهوية اجتماعية مثلاً؟ وهل الهوية معطى ثابتٌ أم أنها قابلة للتطور؟ هذه ليست أسئلة هامشية تعبر عن ترفٍ فكريٍ، بل هي أسئلة أساسية وعميقة الأثر وبالغة التأثير.
الهوية من جهةٍ يجب أن تكون راسخةً ومتماسكةً تمنح الأفراد والشعوب، والدول والأمم قوةً وفخراً ومن دونها يذوب ذلك كله في الآخرين، وبالمقابل فإن ادعاء ثبات الهوية وجمودها وتصلّبها يمنع أي تطويرٍ بنّاءٍ، ويدفع باتجاه التخلّف والتطرف. وكعادة المفاهيم الكبرى فإن أي انحراف في فهمها وتصورها وتمثّلها -مهما بدا صغيراً- تكون له آثارٌ كارثيةٌ مستقبلاً.

العنصرية على سبيل المثال، هي انحرافٌ لمفهوم الهوية، و«النازية» هي تجلٍ بشعٍ لهذا الانحراف وما يمكن أن يؤدي له من مآسٍ وحروبٍ ودماءٍ وانعدامٍ للأخلاق والمبادئ الإنسانية، فالنازي حين يقتل «يهودياً» بريئاً بسبب دينه أو عرقه يحسب أنه يحمي هويّته ويخدمها، بينما هو يتجرد من إنسانيته وأخلاقه بمثل هذا التوحش الهوياتي.
الأصولية، هي الأخرى، نموذجٌ لهذا الانحراف، لأنها تبني على تفسيرٍ متشددٍ وضيقٍ للدين، يحوّله إلى سلاحٍ قاتلٍ بدل أن يكون رحمةً وتسامحاً، وما فعلته جماعات الإسلام السياسي وعلى رأسها «جماعة الإخوان» وما تفرّع عنها من «جماعاتٍ» و«تنظيمات» على مدى عقودٍ هو أوضح الأمثلة، وكيف يصل هذا الانحراف بالإنسان لقتل الأبرياء وتدمير المجتمعات، بل وقتل والديه، أمه وأبيه، في بعض النماذج فاقعة التوحش التي حدثت في السنوات الأخيرة.
الطائفية، فرعٌ عن الأصولية، وتحويلها إلى سلاحٍ قاتلٍ أدخل بعض الشعوب والمجتمعات في معارك بلا راية وصراعاتٍ دمويةٍ لا تنتهي، ويمكن للمتابع رصد ما يجري في العراق وسوريا وفي لبنان واليمن على مدى عقودٍ أربعةٍ ليكتشف كيف أن انحراف الهوية يمكن أن يحوّل أتباعها إلى وحوشٍ بشريةٍ قادرةٍ على ارتكاب أشرس الجرائم وأقبح الفظائع دون أن يرفّ لها جفنٌ.
«جماعة الإخوان» و«السرورية» و«حزب التحرير» و«تنظيم القاعدة» و«تنظيم داعش» هي انحراف أصولي للهوية و«الميليشيات» الطائفية و«الأقليات المتوحشة» مثل «حزب الله اللبناني» ومثيلاته في العراق ومثل «جماعة الحوثي» هي انحراف طائفي للهوية، وحين يتألم الناس ويستنكرون جرائم هؤلاء جميعاً يدرك القليل منهم أنها جميعاً تعبّر عن انحرافٍ في تأويل وتمثّل «الهوية» وبالتالي فشأنها عظيم الأثر، وليست مما يمكن تركه للمجتهدين والناشطين الذين تكاثروا بشكل غريب في السنوات الأخيرة.
بالمقابل، فإن دولاً عربيةً مهمةً مثل دولة الإمارات والسعودية تقدم نماذج رائعةٍ لترسيخ الهوية وتطويرها وتوظيفها في خدمة الحاضر والمستقبل، فهما تغوصان عميقاً في كل عناصر الهوية من دينٍ وعروبةٍ ولغةٍ وتوظفان مفاهيمها الأساسية في بناء الحاضر وتطوير المستقبل، ويمكن مقارنة ما تصنعه هاتان الدولتان بما تصنعه دولٌ إقليميةٌ تتبنى الانحرافات السابقة لمفهوم الهوية أصولياً أو طائفياً لمعرفة حجم الفروق الكبرى التي يمكن للتعامل الصحيح والخاطئ مع «الهوية» أن تنتجها.
أخيراً، فالصراعات السياسية الصاخبة التي تتصدر الأخبار اليوم داخل العراق ولبنان واليمن، وكذلك في باكستان وأفغانستان وعلى الرغم من تفاصيلها المعقدة وتطوراتها المتشابكة هي تعود في الأصل إلى الصراع على «الهوية».

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الأصولية والطائفية والصراع على الهوية الأصولية والطائفية والصراع على الهوية



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 22:22 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

تركي آل الشيخ يشوّق الجمهور لمسلسل أحمد عز الجديد
  مصر اليوم - تركي آل الشيخ يشوّق الجمهور لمسلسل أحمد عز الجديد

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 01:54 2026 الإثنين ,08 حزيران / يونيو

اكتشاف نظام مائي ومسجد مملوكي قرب قلعة صلاح الدين

GMT 02:42 2026 الأربعاء ,18 آذار/ مارس

أفكار لأجمل بدلات للرجل الأنيق في خزانته

GMT 08:53 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

القمر في منزل الحب يساعدك على التفاهم مع من تحب

GMT 12:03 2020 الأحد ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الثور الإثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 12:11 2023 الإثنين ,02 تشرين الأول / أكتوبر

الكتب الأكثر إقبالاً في معرض الرياض الدولي للكتاب

GMT 23:58 2019 الإثنين ,06 أيار / مايو

سيرين عبد النور تُغازل تيم حسن "شكلاً وموهبة"

GMT 06:12 2020 السبت ,24 تشرين الأول / أكتوبر

آمال بدر تكشف عن أبرز الأفكار لتزيين المنزل بـ"الباسكت"

GMT 11:07 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

موديلات أحذية عملية ومريحة لاطلالات الجامعة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt