توقيت القاهرة المحلي 15:30:07 آخر تحديث
  مصر اليوم -

"انقلاب" في ألمانيا.. الأفكار لا تموت

  مصر اليوم -

انقلاب في ألمانيا الأفكار لا تموت

بقلم - عبدالله بن بجاد العتيبي

تنظيم من دون اسم خطط لإسقاط النظام والانقلاب على الحكومة والاستيلاء على المؤسسات الدستورية ويمتلك أيديولوجيا صارمة وتنظيماً مسلحاً ومستعد لارتكاب الجرائم في سبيل غايته، يقوده «أمير» ومعه مساعدون من قطاعات مختلفة من المجتمع، يبدو هذا السيناريو لائقاً بدول العالم الثالث، ولكن المفاجأة أنه حدث فعلياً في ألمانيا، الدولة الأوروبية الحديثة والقوية. تناقلت وكالات الأنباء ووسائل الإعلام تفاصيل مثيرة عن هذا التنظيم أو الجماعة، وعناصرها بحسب «بي بي سي» البريطانية واحد وعشرون ألفاً، ولدى التنظيم مرشحون لوزارات مهمة وقد راقبوا مقرات الجيش والشرطة في سبيل إحكام تنفيذ الانقلاب، وقد اعتقلت السلطات الألمانية عدداً من رؤوس التنظيم ولم ينته التحقيق ولم تتجل الكثير من الحقائق بعد.

التطرف في السياسة مثل التطرف في الدين، ولكل فعلٍ ردة فعلٍ، واليسار الليبرالي في الدول الغربية أصبح لا يجلب لها إلا الخسائر الفادحة، وقد لام الألمان منتخب بلادهم لكرة القدم لخروجه مبكراً من كأس العالم بسبب تركيزه على قيم شاذة ومرفوضة عالمياً وانشغاله عن هدفه الأساس والرياضة الأشهر التي كان مرشحاً لنيلها، وهذا التطرف قابله تطرف يميني مضادٌ وصل به الحال لمحاولة انقلابٍ عنيفٍ على الحكومة.

ADVERTISING

في حديث على هامش أحد المنتديات الثقافية قبل شهرٍ ونيفٍ، كان واضحاً لدي أن تبعات الحرب الروسية الأوكرانية ستطال بعض الحكومات الأوروبية بوصف أوروبا هي «الضحية الثانية» بعد أوكرانيا بسبب التصعيد غير المسبوق أميركياً ضد روسيا وأن الشعوب المهددة بشتاء قارصٍ لن تصمت طويلاً، ولكن أبداً لم يخطر ببالي أو بال الزملاء الذين معي أن الأمر قد يصل لمحاولة قلب نظام الحكم عبر تنظيم سياسي مسلح.

في السياسة والاجتماع والدين لا يمكن تفسير الظواهر الكبرى بعاملٍ وحيدٍ أو سببٍ فردٍ، بل هي تراكمات مختلفة والتقاء لعدد من الأسباب تختلط فيه الأيديولوجيا بالخرافة بالسخط على الواقع فينتج مثل هذه المفاجآت التي تبدو خارج السياق التاريخي وخارج العقل والمنطق، والقصة لم تنته ولم تتكشف أبعادها الكاملة بعد، ولكنها ستوقظ الكثير من الأسئلة والمراجعات داخل ألمانيا وفي أوروبا والعالم.

الطروحات الأكاديمية الغربية في غالبها تعتقد أن الماضي قد انتهى بأيديولوجياته وقومياته وتطرفاته، مثلما يطرح البعض لدينا نهاية الصحوة والإسلام السياسي، وتضيف تلك الطروحات أن الديمقراطية القائمة في أوروبا والغرب هي «نهاية التاريخ» وهي «صالحة لكل زمانٍ ومكانٍ»، وهم يمارسون التنظير على كل شعوب الأرض حضاراتٍ وثقافاتٍ وأديانٍ بما يجب وما لا يجب في أنظمة الحكم وإدارة المجتمعات، وفجأةً خرج لهم هذا التنظيم الذي يمجّد «الرايخ» ويقوده «الأمير هاينريش الثالث عشر».

من السهل على العالم والباحث والدارس المجدّ اكتشاف أن الأفكار لا تموت، ولكن المستعجلين والأقل علماً ينزلقون بسرعةٍ لنتائج كبرى لا يدعمها العلم، ولا العقل ولا يسندها منطق التاريخ ولا طبيعة البشر، ومن السهل أيضاً أن يعلم الجميع أن هذا الأمر وإن جرى في ألمانيا، فهو غريب على سياقها الحضاري المعاصر، بينما لو جرى في بعض دول العالم الثالث لوجد سهولة في النجاح والاستمرار ضمن سياقها الحضاري المختلف.

التأكيد دائماً على اختلاف السياقات الحضارية والثقافات والمجتمعات هو أمرٌ يدعمه العلم والمنطق والموضوعية، في الموقف من الإرهاب وفي رفض ما كان يعرف بـ «الربيع العربي»، ولكن كثيراً من الناس تخدعه المظاهر ويستهويه «وهم التطابق» وتغريه «خديعة النماذج» فيتيه في القراءة والتوصيف قبل التحليل. أخيراً، فالمعرفة رائدٌ والعقل قائد والوعي مرشدٌ في مثل هذه اللحظات المفاجئة، والرائد لا يكذب أهله، والعقل عاصمٌ عن الزلل.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

انقلاب في ألمانيا الأفكار لا تموت انقلاب في ألمانيا الأفكار لا تموت



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

الفستان البليسيه الأبيض يتصدر إطلالات إليسا المميزة

بيروت - مصر اليوم

GMT 02:18 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ
  مصر اليوم - أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 14:29 2025 الثلاثاء ,03 حزيران / يونيو

بيراميدز يجهز مصطفى فتحي لنهائي الكأس أمام الزمالك

GMT 13:07 2025 الأربعاء ,03 كانون الأول / ديسمبر

الزمالك يتمسك باستمرار المغربي محمود بنتايج ويرفض رحيله

GMT 11:15 2023 الجمعة ,01 أيلول / سبتمبر

عام دراسي يتيم في اليمن

GMT 03:17 2018 الأربعاء ,19 كانون الأول / ديسمبر

طريقة سهلة لتحضير قشطة بانوفي المخفوقة بالبندق والشوكولاتة

GMT 02:44 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

علا غانم تقرر الانسحاب من رمضان وتنتقل للعيش في أميركا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt