بقلم : محمود خليل
كما جرت العادة انخرط كثيرون فى نقاش حاد حول ثورة يوليو 1952 بمناسبة ذكراها الـ68. البعض استعاد أمجاد الثورة وإنجازاتها وأغانيها وأناشيدها، والبعض الآخر استغرق فى ذكر إخفاقاتها والمغامرات غير المحسوبة التى دخلت فيها وكانت نتائجها وخيمة على مصر والمصريين. المنحازون للثورة ذكّرونا بالسد العالى والتنمية الصناعية والقومية العربية والتغلغل الدبلوماسى المصرى فى أفريقيا. والمنحازون ضدها استرجعوا مغامرة اليمن ونكسة يونيو وأحادية الحكم.
كلا الطرفين احتكم إلى الهوى السياسى وليس إلى المنهجية الموضوعية التى يجب أن نتفاعل بها مع أحداث التاريخ. والطرفان معذوران فى ذلك. فالهوى السياسى «غلاب»، كما أن تحديات الواقع والنظر إليها وتقييمها أحياناً ما تدفع أياً من الطرفين المنحاز (ضد أو مع) إلى النظر بعين إلى التاريخ وأحداثه، والنظر بالعين الأخرى إلى الواقع وتفاعلاته.
أيام عمر بن عبدالعزيز سادت حالة شبيهة بالحالة التى نحياها هذه الأيام والتى يسيطر عليها الجدل حول ثورة يوليو، حين انخرط المسلمون وقتها فى جدل لا ينتهى حول ما حدث أيام الصراع بين بنى أمية وبنى هاشم، والحرب التى استعرت ما بين الفرق والتحزبات المختلفة التى توزع عليها الصحابة. ولما وصل خبر هذا الجدل إلى عمر بن عبدالعزيز وطلبوا منه أن يحدد موقفه من كل من «على» و«معاوية» -وهو طلب لا يخلو من إحراج- هرب «عمر» من الموقف هروباً لبقاً وذكّر الناس بقول الله تعالى: «تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون». الرد يعكس محاولة ذكية للتفلت من الموقف، وتناقضاً مع الأدبيات التى وضعها القرآن الكريم فى التعامل مع التاريخ: «لقد كان فى قصصهم عبرة لأولى الألباب».
الحوار حول الماضى مطلوب لاستخلاص العبرة والخروج بالدروس المستفادة. الإشكالية تظهر عندما يحاول البعض استعادة هذا الماضى وتمثله فى الواقع المعاش. ثورة يوليو كأى ثورة فى دنيا الله كان لها إنجازاتها وإخفاقاتها. عندما قامت رفعت شعارات وتحدثت عن مبادئ مثالية فى الحكم الديمقراطى والعدالة الاجتماعية، أنجزت على الأرض بعضاً من هذه الأهداف -وخصوصاً الأهداف الاقتصادية- وانقلبت على كل الشعارات السياسية التى رفعتها سواء فيما يتعلق بالديمقراطية أو الحرية أو الكرامة الإنسانية وغير ذلك، فقد أدت عكس ما قالت على هذا المستوى.
ثورة يوليو انتهت كاقتصاد منذ السبعينات، لكنها بقيت كسياسة، وما زالت معادلتها السياسية مسيطرة على الأرض حتى الآن، والسبب فى ذلك عدم وجود المعادلة البديلة. فمنذ ما يقرب من ستة عقود ضمرت الأحزاب السياسية وفشلت فى بناء قاعدة شعبية لها على الأرض. لا خلاف فى الدور الذى لعبه نظام ثورة يوليو فى ذلك، لكن الأحزاب هى الأخرى كان لها الدور الأهم فى حالة الانكماش التى أصابتها. القوة الوحيدة التى تمكنت من النمو خلال العقود الماضية هى التيارات الإسلامية التى مثلت الجناح الآخر لثورة يوليو منذ قيامها عام 1952، ومثلت المنافس الأول للضباط الأحرار على الحكم.
استمرار معادلة السياسة «اليوليجية» حتى اللحظة الراهنة هو جوهر المأزق، لأنها ببساطة معادلة قديمة لا تصلح للزمن الجديد الذى نعيشه، قد تبقى لبعض الوقت فى الحاضر، لكنها بلا مستقبل. والتفكير فى وجود المنافس بالشكل التقليدى هو أيضاً جزء من إرث ثورة يوليو، لأن الواقع الجديد قادر على إفراز بديله الخاص.