توقيت القاهرة المحلي 19:30:21 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أبناء الصمت

  مصر اليوم -

أبناء الصمت

بقلم : محمود خليل

القدرية فى التفكير أو الرضاء بالقضاء والقدر، كانت سمتاً أساسياً لـ«أدهم» بطل الحكاية الأولى من حكايات «أولاد حارتنا»، ويجد هذا الرضاء ترجمته فى «الطاعة والتسليم». كان «أدهم» أكثر الأبناء طاعة لأبيه «الجبلاوى»، ذلك الذى امتلك «الخلاء» وما يحيط به بقوته القاهرة، وهو جبار فى البيت الكبير كما هو جبار فى «الخلاء»، لذا فقد تعوَّد كل من فى البيت التسليم له. وعندما قرر فى لحظة أن يولى مهمة إدارة الوقف لولده «أدهم»، أطاعه الجميع، إلا إدريس أبَى، فكان مصيره الطرد من البيت الكبير إلى الأبد.. سمع «أدهم» وأطاع لأبيه، فقد كان أكثر إخوته حفظاً لتلك العبارة التى يرددها «الجبلاوى» فى مواجهة أى شخص يشعر فى خرائط وجهه أو أعماق شعوره بأى نوع من الامتعاض وهو يملى عليه أمراً: «هذه إرادتى.. وما عليك إلا السمع والطاعة».

الصمت والتسليم لأمر الله سمة أساسية من السمات التى تحدد تصور المصريين لأبى البشر، بل وللبشر جميعاً، خصوصاً إذا صدر الأمر عن صاحب قدرة، فالعصيان فى هذه الحالة يفضى إلى الندم. ولعلك سمعت المثل المصرى السائر الذى يقول: «لا تعاند من إذا قال فعل».. والمثل الآخر الذى يقول: «إذا جاءك الغصب خذه بالرضا». والواضح أن هذا الملمح من ملامح «أدهم المصرى» قديم، ويعود بجذوره إلى قرون مضت. فقد توقف «دى شابرول» أمام ملمح عجيب من الملامح التى تميز المصريين، والمتمثلة فى «الوجه الصامت». و«دى شابرول» -كما ذكرت لك بالأمس- أحد الباحثين (مهندس فى الأصل) الذين اختصوا بتحليل عادات وتقاليد المصريين ضمن مجلد «وصف مصر» الذى أبدعه علماء الحملة الفرنسية. يتحدث «شابرول» فى هذا السياق قائلاً: «لا يمكنك أن تكتشف ما يعتمل فى نفس المصريين عن طريق ملامحهم، فصورة الوجه ليست مرآة لأفكارهم، فشكلهم الخارجى فى كل ظروف حياتهم يكاد يكون هو نفسه، أى يحتفظون فى ملامحهم بنفس الحيدة وعدم التأثر، سواء حين تأكلهم الهموم أو يعضهم الندم أو كانوا فى نشوة أو سعادة عارمة». ويعزى «شابرول» ذلك إلى الطبيعة القدرية للإنسان المصرى.

وليس ثم من خلاف على أن التسليم بالقضاء والقدر شأن إيمانى. فلا حيلة للإنسان أمام قضاء الله، ولن تنفع شكوى أو يجدى صراخ فى مواجهة المقدور، لكن هذا أمر وإسناد كل فشل أو إخفاق فى الحياة للقضاء والقدر، أمر آخر. الجانب الثانى هو الذى يحتاج إلى علاج فى شخصية الإنسان المصرى. فأمام كل إخفاق لا بد أن نفتش عن الأسباب، وسوف تجدها شاخصة فى تلافيف النسيج الفردى أو الاجتماعى. فحظ الإنسان بين عينيه وليس طائراً يطير بجناحين فى السماء، هذا ما يجب أن يتعلمه «آدم المصرى». ومع ذلك فمن الإنصاف أن نشير فى الختام إلى أن الوجه الصامت الذى تحدث عنه «شابرول» ووصفه نجيب محفوظ فى «أولاد حارتنا»، كثيراً ما يقطع صمته ويصنع الأعاجيب. ولو أننا استرجعنا بعض المشاهد من حياة المصريين فى الفترة الفاصلة بين نكسة 1967 وانتصار أكتوبر 1973 المجيد، فسوف نجد أن الوجوه التى ظلت جامدة طيلة هذه السنوات الست كسرت صمتها وانتصرت على هزيمتها بمعرفة «أبناء الصمت».

المصدر :

الوطن

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أبناء الصمت أبناء الصمت



GMT 16:27 2025 الأحد ,24 آب / أغسطس

سلامٌ.. من أجل القمح

GMT 01:56 2024 السبت ,11 أيار / مايو

شعب واحد في بلدان كثيرة

GMT 01:48 2024 السبت ,11 أيار / مايو

من النهر للبحر... هناك مكان للجميع

GMT 01:31 2024 السبت ,11 أيار / مايو

عالم الحروب وسلام «كانط» الدائم

GMT 01:28 2024 السبت ,11 أيار / مايو

اتفاق غزة... الأسئلة أكثر من الإجابات!

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت

GMT 03:31 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي تواجه الخيانة الزوجية في "أبو العروسة"

GMT 12:21 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

جائزة الـ30 مليون دولار "سباق القمر" تنتهي دون فائز

GMT 07:09 2024 الخميس ,06 حزيران / يونيو

اختاري إكسسوارت ملونة لإطلالاتك هذا الربيع

GMT 13:40 2021 الأربعاء ,15 أيلول / سبتمبر

جونسون سيقوم بتعديل وزاري اليوم الأربعاء

GMT 05:44 2021 الإثنين ,12 إبريل / نيسان

«الثقافة الأردنية» تطلق «الفلسفة للشباب»

GMT 00:29 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

شكرى يصل موسكو لبحث تطورات الأوضاع في ليبيا وسوريا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt